الأسواق تشطب فرضية خفض الفائدة الفيدرالية وتستعد للتثبيت المطول

سوق السندات الأميركية تعيد حسابات المخاطر

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ ب)
TT

الأسواق تشطب فرضية خفض الفائدة الفيدرالية وتستعد للتثبيت المطول

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ ب)

تشهد التوقعات المتعلقة بسياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، تحولاً حاداً في الفترة الأخيرة، مع انتقال النقاش من سؤال توقيت خفض أسعار الفائدة إلى مدى استمرارها عند مستويات مرتفعة، بل وتزايد الرهانات في الأسواق على احتمال زيادات طفيفة تمتد حتى عام 2027.

ويعكس تسعير العقود المستقبلية هذا التحول بوضوح؛ إذ كانت التقديرات قبل نحو 3 أشهر تشير إلى خفض للفائدة بمقدار مرتين أو 3 مرات خلال العام الحالي، بينما باتت الأسواق حالياً تسعّر احتمال زيادات تراكمية تقارب 30 نقطة أساس (0.30 في المائة) بحلول عام 2027، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على الأصول المالية المختلفة.

دونالد ترمب يتحدث مع كيفين وارش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض - 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)

إعادة تسعير منحنى العائد

انعكست هذه التغيرات مباشرة على سوق السندات الأميركية، حيث شهدت العوائد إعادة تسعير لافتة: فقد استقر العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات عند 4.56 في المائة، بعد أن بلغ ذروة عند 4.67 في المائة في 19 مايو (أيار)، في حين وصل العائد على السندات لأجل 30 عاماً إلى 5.06 في المائة.

أما على مستوى العوائد الحقيقية، فقد ارتفع العائد على سندات الخزانة المحمية من التضخم (TIPS) لأجل 10 سنوات إلى 2.18 في المائة، مقارنة بـ1.91 في المائة مطلع مايو، ما يعكس تشدداً فعلياً في الظروف المالية، بعيداً عن تأثيرات التضخم الاسمية.

أربعة محركات تعيد تشكيل السياسة النقدية

يقوم هذا التحول في المشهد النقدي على 4 عوامل رئيسية:

أولاً: عودة الضغوط التضخمية من مصادر جديدة

تشير المعطيات إلى أن التضخم بات يتغذى من قنوات غير تقليدية؛ أبرزها ارتفاع أسعار النفط، والسياسات التجارية الحمائية، إلى جانب الطلب القوي المرتبط بدورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، ترى مؤسسات بحثية مثل «ستاندرد آند بورز غلوبال»، أن هذه الضغوط قد تدفع «الفيدرالي» إلى إبقاء السياسة النقدية مشددة أو حتى رفع الفائدة، فيما تؤكد «آر بي سي إيكونوميكس» استمرار عناد التضخم رغم قوة سوق العمل.

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (رويترز)

ثانياً: صمود الأصول الخطرة

على خلاف النماذج التقليدية، لم يؤد ارتفاع العوائد الحقيقية إلى تراجع ملحوظ في أسواق الأسهم؛ إذ واصل مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» تحقيق مكاسب، مع تداول مضاعف الربحية المستقبلي عند مستوى 21 مرة. هذا الأداء يعكس استمرار الزخم الاقتصادي ويقلّص مساحة التيسير النقدي أمام «الفيدرالي».

ثالثاً: اتساع العلاوة المالية

في ظل تصاعد العجز المالي الأميركي وارتفاع مستويات الدين، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل. ويظهر ذلك في اتساع الفجوة بين عوائد السندات قصيرة وطويلة الأجل، بما يعكس تسعيراً متزايداً لمخاطر المالية العامة.

رابعاً: انتقال الضغوط عالمياً

لم يقتصر ارتفاع العوائد على الولايات المتحدة؛ بل امتد إلى أسواق السندات في بريطانيا واليابان، إلى جانب ضغوط متزايدة في أسواق التمويل قصيرة الأجل. وتشير تقارير إلى ارتفاع حاد في معدلات سوق إعادة الشراء الأميركية (الريبو)، في مشهد يعيد إلى الأذهان أزمة السيولة في عام 2019، مع تزايد الاقتراض الحكومي واستمرار سياسة التشديد الكمي عبر تقليص الميزانية العمومية.

بورصة نيويورك للأوراق المالية (رويترز)

تداعيات بيئة «الفائدة المرتفعة لفترة أطول»

تنعكس هذه البيئة النقدية على فئات الأصول بشكل متفاوت: ففي سوق السندات، تستفيد الأدوات طويلة الأجل من عوائد مرتفعة تتجاوز 5 في المائة، لكنها تبقى عرضة لخسائر سعرية كبيرة في حال استمرار صعود العوائد، نظراً للعلاقة العكسية بين السعر والعائد. في المقابل، تبدو السندات متوسطة الأجل أقل حساسية لهذه التقلبات.

أما في سوق الأسهم، فتواجه الأسهم الموزعة للأرباح، مثل شركات المرافق وصناديق الاستثمار العقاري، ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع العائد الخالي من المخاطر فوق 4 في المائة، ما يقلص جاذبيتها النسبية.

وفي قطاع أسهم النمو، تتفاقم الحساسية تجاه ارتفاع معدلات الخصم؛ إذ يؤدي ارتفاع العوائد الحقيقية إلى تقليص القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية، حتى في ظل استمرار الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي عند مستويات قياسية.

في المقابل، يُعدّ المستثمرون الباحثون عن الدخل الثابت، خصوصاً المتقاعدين، من أبرز المستفيدين من البيئة الحالية؛ إذ أعادت مستويات الفائدة المرتفعة جاذبية أدوات الادخار الآمنة بعد سنوات من العوائد القريبة من الصفر، وهو ما أكدته الخبيرة المالية سوز عمران.

هل دخل العالم حقبة جديدة من الفائدة المرتفعة؟

رغم قوة الاتجاهات الحالية، لا يزال السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الاقتصاد العالمي قد انتقل إلى نظام دائم من أسعار الفائدة المرتفعة. فالمشهد لا يزال قابلاً للتغير؛ إذ يرى بعض المحللين أن أي تهدئة جيوسياسية محتملة، مثل التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، قد تؤدي إلى تراجع أسعار النفط، وبالتالي تخفيف الضغوط التضخمية، ما يعيد توجيه توقعات الفائدة نحو مسار أكثر انخفاضاً ويغيّر اتجاه الأسواق مجدداً.


مقالات ذات صلة

السندات الأميركية ترتفع قبيل مزادات الديون وسط مؤشرات تضخم إيجابية

الاقتصاد العلم الأميركي يرفرف فوق مدخل «بورصة نيويورك» للأوراق المالية (أ.ب)

السندات الأميركية ترتفع قبيل مزادات الديون وسط مؤشرات تضخم إيجابية

ارتفعت أسعار سندات الخزانة الأميركية عبر مختلف آجال المنحنى، الثلاثاء، بدفع من تراجع المخاوف التضخمية، وسط آمال بالتوصل إلى اتفاق يفضي إلى إعادة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد ترمب يحيّي كيفن وورش خلال مراسم تنصيبه رئيساً لـ«الفيدرالي» في البيت الأبيض... 22 مايو 2026 (إ.ب.أ)

معادلة ترمب - وارش: شراكة مصيرية تواجه رياح التضخم وأسعار الفائدة

لطالما كان يمثّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي السابق جيروم باول خصماً سياسياً مناسباً للرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
تحليل إخباري متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)

تحليل إخباري لماذا لن يستطيع «الفيدرالي» الأميركي خفض الفائدة؟... لغز «ندرة رأس المال»

لماذا لن يخفض «الفيدرالي» الأميركي الفائدة؟ المعركة ليست التضخم؛ بل «ندرة رأس المال» بعدما التهمت طفرة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الفائض المالي العالمي...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أرقام سوق الأسهم في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تركيا والصين واليابان تقود تسييل ديون واشنطن

تكشف البيانات المالية الصادرة عن الأسواق عن موجة «تسييل جماعي» متزامنة لسندات الخزانة الأميركية تقودها كبرى الاقتصادات العالمية والناشئة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
تحليل إخباري لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تحليل إخباري رياح السندات تباغت واشنطن... وحمى العوائد تختبر كفاءة «أجندة ترمب»

تواجه الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس دونالد ترمب، اختباراً معقداً وغير متوقع في إدارة دفة السياسة الاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الاضطرابات العالمية قد تنعش السياحة الداخلية في ألمانيا

تم تسجيل 86.7 مليون ليلة مبيت في ألمانيا خلال الربع الأول من هذا العام بزيادة بلغت 2.5 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي (رويترز)
تم تسجيل 86.7 مليون ليلة مبيت في ألمانيا خلال الربع الأول من هذا العام بزيادة بلغت 2.5 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي (رويترز)
TT

الاضطرابات العالمية قد تنعش السياحة الداخلية في ألمانيا

تم تسجيل 86.7 مليون ليلة مبيت في ألمانيا خلال الربع الأول من هذا العام بزيادة بلغت 2.5 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي (رويترز)
تم تسجيل 86.7 مليون ليلة مبيت في ألمانيا خلال الربع الأول من هذا العام بزيادة بلغت 2.5 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي (رويترز)

رأى منسق شؤون السياحة في الحكومة الألمانية أن التوترات العالمية قد تسهم في دفع مزيد من الأشخاص إلى قضاء عطلاتهم داخل ألمانيا.

وقال كريستوف بلوس، المنتمي إلى الحزب المسيحي الديمقراطي، في تصريحات لصحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية: «بقدر خطورة تداعيات الأزمة في الشرق الأوسط بالنسبة لكثير من القطاعات، فإنها تفتح في المقابل فرصاً أمام السياحة داخل ألمانيا»، مضيفاً أنه يتوقع «طلباً أكبر من الأعوام السابقة» خصوصاً في مناطق بحر الشمال وبحر البلطيق.

وشهدت حرب إيران هجمات استهدفت منشآت للطاقة ومطارات ومناطق سكنية في دول الخليج، ما ألحق ضرراً كبيراً بصورة تلك الدول، بوصفها أماكن آمنة للسياحة والتجارة. كما أثارت المناقشات بشأن احتمال حدوث نقص في وقود الطائرات قلق المسافرين.

وأظهر استطلاع نُشر خلال عطلة نهاية الأسبوع بتكليف من شركة «ساب كونكور» لخدمات المحاسبة، أن نحو خُمس الألمان أفادوا بأنهم ألغوا بالفعل رحلة جوية، أو أعادوا حجزها، أو تعرضوا لإلغاء من شركة الطيران بسبب ذلك.

وأشار بلوس إلى أن الحكومة الألمانية ترى في قطاع السياحة ركيزة متزايدة الأهمية للاقتصاد الوطني، تسهم بشكل مهم في النمو الاقتصادي، معلناً عن تقديم مزيد من الدعم للقطاع، وقال: «سندعم شركات السياحة والمناطق السياحية في ألمانيا خلال هذا العام عبر عدة مبادرات، مثل منح مزيد من المرونة في أوقات العمل، وزيادة الاستثمارات في شبكات الطرق السريعة والسكك الحديدية».

وكان مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني قد أفاد مطلع العام الجاري بارتفاع أعداد ليالي المبيت في قطاع السياحة الألماني.

وتم تسجيل 86.7 مليون ليلة مبيت خلال الربع الأول من هذا العام، بزيادة بلغت 2.5 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وجاءت زيادة أعداد المبيت للزوار القادمين من الخارج بنسبة 0.8 في المائة فقط، وهي أقل بكثير من نسبة الزيادة لدى الزوار المحليين التي بلغت 2.9 في المائة.


توقعات بأن يبقي «المركزي» الكوري الجنوبي على معدل الفائدة دون تغيير

متسوّقون في شارع تجاري بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول (رويترز)
متسوّقون في شارع تجاري بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول (رويترز)
TT

توقعات بأن يبقي «المركزي» الكوري الجنوبي على معدل الفائدة دون تغيير

متسوّقون في شارع تجاري بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول (رويترز)
متسوّقون في شارع تجاري بالعاصمة الكورية الجنوبية سيول (رويترز)

قال محللون، الثلاثاء، إنه من المتوقع أن يبقي «البنك المركزي الكوري الجنوبي» على معدل الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقرر في وقت لاحق من هذا الأسبوع، على الرغم من أنه من المرجح أن يتبنى سياسة أعلى تشدداً في ظل ارتفاع التضخم والنمو الاقتصادي الأقوى من المتوقع.

وذكرت وكالة «يونهاب» الكورية الجنوبية للأنباء أن محافظ «البنك»، تشين هيون هونغ، سيترأس اجتماع لجنة السياسة النقدية يوم الخميس، في أول اجتماع لتحديد الفائدة منذ توليه منصبه الشهر الماضي.

وقد أبقى «البنك المركزي» على معدل الفائدة دون تغيير عند 2.5 في المائة للاجتماع السابع على التوالي منذ مايو (أيار) العام الماضي.

وأظهر استطلاع شمل 6 اقتصاديين، أجرته وكالة «يونهاب»، أن جميع المشاركين توقعوا أن يبقي «البنك» على معدل الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع المقبل، معللين ذلك بالغموض بشأن الصراع في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، فإن الاقتصاديين اتفقوا على أنه حتى إذا أبقى «البنك» على معدل الفائدة دون تغيير خلال الاجتماع المقبل، فإنه من المرجح أن يرسل إشارة متشددة من خلال التلميح إلى احتمالية رفع معدل الفائدة في المستقبل.

وأشار المحللون إلى أن «البنك المركزي» يواجه ضغوطاً متصاعدة لتشديد السياسة النقدية في الوقت الذي يفاقم فيه الصراع بالشرق الأوسط الضغوط التضخمية ويؤدي إلى ضعف العملة المحلية، التي تراجعت لأقل من 1500 وون مقابل الدولار.


نيران الحرب تحرق جيوب العمال... التضخم يلتهم الأجور في الدول المتقدمة

متسوق في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
متسوق في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
TT

نيران الحرب تحرق جيوب العمال... التضخم يلتهم الأجور في الدول المتقدمة

متسوق في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)
متسوق في سوبر ماركت في لندن (إ.ب.أ)

بدأت أوراق الأجور الفورية للعمال في الانكماش مقارنة بالقفزات المتتالية في أسعار المستهلكين داخل عدد متزايد من الدول الغنية؛ إذ تسببت صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران في خنق التعافي الوليد الذي شهدته الأجور الحقيقية مؤخراً، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز».

وتأتي هذه الضغوط المتزايدة على المستهلكين في الولايات المتحدة، وبريطانيا، ومنطقة اليورو، في وقت يواجهون فيه ارتفاعات حادة في أسعار الوقود، وتذاكر الطيران، مدفوعة بالإغلاق المستمر لمضيق هرمز الحيوي.

انكماش الأجور الأميركية لأول مرة منذ عامين

وفي الولايات المتحدة، قفز معدل التضخم السنوي إلى 3.8 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي، في حين نمت الأجور بمتوسط 3.6 في المائة على أساس سنوي، ما يعني أن الأسعار باتت ترتفع وتنمو بوتيرة أسرع من الأجور، وذلك للمرة الأولى منذ عامين.

وفي هذا الصدد، علّقت ديان سوونك، رئيسة الخبراء الاقتصاديين في «كي بي إم جي» (KPMG) بالولايات المتحدة، قائلة: «إن الحرب الحالية تعطل وتُربك سلاسل الإمداد العالمية، وستستمر في دفع الأسعار نحو الأعلى مقارنة بمستوياتها السابقة، حتى لو أُعيد فتح المضيق غداً».

ومن جانبه، يرى مايكل فيرولي، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «جي بي مورغان»، أن انكماش الأجور الحقيقية مرتبط كلياً بملف الصراع في الشرق الأوسط، مضيفاً: «إذا أُعيد فتح مضيق هرمز وتراجعت أسعار الطاقة، فإنني أتوقع للأجور الحقيقية أن تعود للنمو مجدداً». إلا أن سوونك حذرت من أن التضخم المستمر «سيؤدي إلى تآكل هوامش أرباح الشركات، ويلقي بظلاله سلبياً على التوظيف، لتتحول معضلة التضخم إلى أزمة واضحة في سوق العمل».

موظف في أحد متاجر البقالة يقوم بلصق بطاقات الأسعار وتعبئة الرفوف في الحي الصيني بمدينة نيويورك (رويترز)

بريطانيا... ضيق في خيارات المناورة

ولا يبدو الوضع أفضل حالاً في بريطانيا؛ حيث يواجه العمال ضغوطاً مماثلة؛ إذ نمت الأجور بمتوسط ضئيل للغاية لم يتجاوز 0.1 في المائة بالقيم الحقيقية (باستثناء المكافآت) خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مارس (آذار) الماضي، وسط توقعات بهبوطها الحاد والقاطع مع تسارع التضخم خلال الأشهر المقبلة بالتزامن مع تراجع معدلات التوظيف.

ويرى جيمس سميث، كبير الاقتصاديين في مؤسسة «ريزولوشن فاونديشن»، أن حزم الدعم المالي التي أعلنت عنها الحكومة البريطانية مؤخراً لحماية الأسر –والمتمثلة في تخفيضات ضريبة القيمة المضافة على الرحلات الصيفية والمطاعم، وتأجيل زيادة رسوم الوقود– وعلى الرغم من أنها خطوة «ليست عديمة الأهمية»، فإنها لن تمنع البلاد من مواجهة رابع موجة هبوط وتراجع للأجور الحقيقية منذ عام 2008.

فرنسا تتلقى الصدمة

أما في منطقة اليورو، فتمثل صدمة الطاقة انتكاسة قوية للعمال الذين كانوا قد بدأوا للتو تعويض خسائرهم الناجمة عن موجة التضخم في عام 2022؛ حيث يتوقع كلاوس فيستيسين، من مؤسسة «بانثيون ماكروإيكونوميكس» الاستشارية، أن يقترب نمو الأجور الحقيقية من مستوى الصفر في منطقة اليورو خلال عام 2026.

وأشار فيستيسين إلى أن الوضع قد يكون «سلبياً وعميقاً» في دول مثل فرنسا التي تفتقر كلياً للحيز المالي لحماية المستهلكين عبر خفض الضرائب، قائلاً: «المستهلك الفرنسي يتلقى الصدمة مباشرة في صدره». وفي المقابل، يبدو المستهلكون في ألمانيا محميين جزئياً من الارتفاعات الفورية للأسعار بفضل قرارات خفض رسوم الوقود، رغم ضعف موقف العمال هناك في التفاوض على أجور أعلى.

ومن جهته، أشار أندرو كينينغهام، كبير اقتصاديي أوروبا في «كابيتال إيكونوميكس»، إلى أنه على الرغم من أن وطأة الحرب الإيرانية تظل أخف من صدمة الطاقة لعام 2022، فإنه بات من المرجح بشكل متزايد أن يسقط اقتصاد منطقة اليورو في ركود اقتصادي طفيف، مؤكداً أنه «كلما كبرت الصدمة التي يتلقاها الاقتصاد، تباطأ تعافي الأجور الحقيقية».

سعر الخرشوف في سوق محلية في مدينة إيكس أون بروفانس الفرنسية (أ.ف.ب)

مخاوف مزدوجة أمام صناع القرار

يضع هذا الانكماش في الأجور الحقيقية صناع السياسات النقدية والمالية أمام مخاوف وهواجس مزدوجة:

أولاً: أن تعمد الأسر والشرائح الاستهلاكية إلى تقليص إنفاقها بقوة، مما يضاعف من تداعيات الحرب على النمو الاقتصادي، ويدفع الشركات إلى شطب الوظائف، وتسريح العمالة مع تباطؤ الطلب.

ثانياً: أن ينجح العمال والنقابات في فرض زيادات جديدة على الأجور للتعويض، مما يغذي تضخماً هيكلياً ومستداماً في الأسواق، ويستمر حتى بعد تراجع أسعار الطاقة عالمياً.

وتأتي هذه التطورات الاقتصادية القاتمة بالتزامن مع تكثيف الجهود الدبلوماسية الدولية لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط؛ حيث توجه كبار المفاوضين الإيرانيين إلى العاصمة القطرية الدوحة، وسط ضغوط من الوسطاء لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق سلام يتضمن إعادة الفتح التدريجي لمضيق هرمز لإنقاذ حركة الشحن وإمدادات الطاقة العالمية.