«بيع اليابان»... لحظة تخشاها الأسواق وتقلق واشنطن

طوكيو عالقة بين الدفاع عن الين والسندات وحماية سوق الدين الأميركي

سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

«بيع اليابان»... لحظة تخشاها الأسواق وتقلق واشنطن

سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
سائح يمر أمام لوحة دعائية لجبل فوجي في مطار العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

تواجه اليابان واحدة من أكثر اللحظات الاقتصادية والمالية حساسية منذ عقود، مع تحول أزمة الين الضعيف إلى معضلة عالمية تمس أسواق السندات الأميركية واستقرار النظام المالي الدولي، في وقت تتزايد فيه رهانات المستثمرين على ما باتت الأسواق تسميه «بيع اليابان» أو Japan Sell، أي اهتزاز الثقة المتزامن في العملة والسندات والسياسة النقدية اليابانية، ما قد يسفر عن موجة حادة من التخلص من الأصول اليابانية، والتي سيتبعها حتماً اندفاع ياباني لبيع السندات الأميركية من أجل محاولة إنقاذ اقتصادها، وهو ما سيسفر عن اضطراب اقتصادي عالمي.

وخلال اجتماعات مجموعة السبع الأخيرة، حاولت طوكيو إرسال رسائل طمأنة للأسواق، بعدما أكدت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن السلطات «مستعدة للتحرك في أي وقت» لمواجهة التقلبات المفرطة في سوق العملات، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة تنفيذ أي تدخل بطريقة لا تؤدي إلى اضطراب سوق سندات الخزانة الأميركية.

ويعكس هذا التصريح حجم التعقيد الذي يواجه ثالث أكبر اقتصاد في العالم. فاليابان لم تعد تحاول فقط إنقاذ الين، بل أصبحت مضطرة أيضاً إلى حماية علاقتها المالية الحساسة مع الولايات المتحدة، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار سوق السندات الأميركية وسط تصاعد العجز المالي وارتفاع تكاليف الاقتراض.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت الضغوط على الين بصورة حادة، بعدما اقترب مجدداً من مستوى 160 يناً للدولار، وهو المستوى الذي تعتبره السلطات اليابانية «خطاً أحمر» نفسياً وسياسياً. ودفعت هذه التطورات طوكيو إلى تنفيذ تدخلات واسعة في سوق الصرف عبر شراء الين وبيع الدولار، في أول تحرك مباشر بهذا الحجم منذ نحو عامين.

سيدة تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسواق المالية في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

وتشير تقديرات الأسواق حالياً إلى أن إجمالي التدخلات اليابانية منذ نهاية أبريل (نيسان) ربما تجاوز 12 تريليون ين، أي ما يعادل نحو 75 إلى 82 مليار دولار، بعدما شهدت الأسواق عدة موجات صعود مفاجئة للين خلال جلسات التداول الآسيوية الضعيفة.

ورغم نجاح هذه التدخلات مؤقتاً في دفع العملة اليابانية من حدود 160 إلى قرب 155 يناً للدولار، عاد الين لاحقاً إلى التراجع مع استمرار قوة الدولار وارتفاع العوائد الأميركية، ما عزز شكوك المستثمرين في قدرة طوكيو على تغيير الاتجاه العام للسوق.

• معضلة أكبر من العملة

ويرى محللون أن أزمة الين تجاوزت منذ فترة كونها مجرد قضية نقدية أو مالية، لتتحول إلى أزمة معيشية وسياسية داخل اليابان نفسها، مع ارتفاع تكاليف الواردات والطاقة والغذاء، وتآكل القوة الشرائية للأسر اليابانية بصورة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة.

لكن المعضلة الأكبر بالنسبة لطوكيو لا تتعلق فقط بسوق العملات، بل بكيفية تمويل التدخلات دون التسبب في صدمة داخل سوق الدين الأميركي. فاليابان تمتلك نحو 1.4 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، معظمها مستثمر في سندات الخزانة الأميركية، ما يجعلها أحد أكبر الدائنين للولايات المتحدة. وللحصول على الدولارات اللازمة لدعم الين، قد تضطر السلطات اليابانية نظرياً إلى بيع جزء من هذه السندات، وهنا تكمن الحساسية الكبرى. فأي عمليات بيع واسعة لسندات الخزانة الأميركية قد تؤدي إلى ارتفاع إضافي في العوائد الأميركية، وهو ما يعزز قوة الدولار أكثر ويقوض فعالية التدخل الياباني نفسه. ولهذا، أصبح هناك تنسيق شبه يومي بين وزارة المالية اليابانية ووزارة الخزانة الأميركية بشأن إدارة التدخلات المحتملة وتفادي أي اضطرابات غير مرغوبة في سوق الدين الأميركي.

رجل يمر أمام مقر بنك اليابان المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

• موقف معقد في واشنطن

وتدرك واشنطن أن اليابان تمثل عاملاً حاسماً في استقرار سوق السندات الأميركية، خصوصاً في وقت ترتفع فيه العوائد بالفعل بسبب التضخم والحرب الإيرانية وتزايد الإنفاق الحكومي الأميركي.

ومن هنا، تبدو الولايات المتحدة في موقف معقد: فهي تدعم استقرار الين وتفهم مخاوف طوكيو، لكنها لا تريد في الوقت نفسه تدخلاً يابانياً واسعاً يؤدي إلى اضطراب أكبر سوق سندات في العالم.

وفي الخلفية، بدأ المستثمرون العالميون يتحدثون بشكل متزايد عن سيناريو «بيع اليابان»، وهو مفهوم يشير إلى تزامن الضغوط على الين والسندات اليابانية والأسهم والأصول المحلية، بما يعكس اهتزاز الثقة في قدرة بنك اليابان على إدارة الخروج من عصر السياسة النقدية فائقة التيسير.

وهذه النقطة تحديداً أصبحت مصدر قلق كبير للأسواق العالمية، لأن اليابان ليست اقتصاداً عادياً، بل إحدى الركائز الأساسية للنظام المالي الدولي، سواء من خلال الين كعملة تمويل عالمية، أو عبر حجم سوق السندات اليابانية، أو من خلال التدفقات الاستثمارية اليابانية الضخمة حول العالم.

وفي الداخل، يواجه بنك اليابان بقيادة المحافظ كازو أويدا معضلة معقدة تتعلق بمستقبل السياسة النقدية وبرنامج «التشديد الكمي» الذي بدأه تدريجياً منذ عام 2024.

فبعد عقود من أسعار الفائدة شبه الصفرية وبرامج شراء السندات الضخمة، يحاول البنك المركزي تقليص حيازاته الهائلة من السندات الحكومية، التي لا تزال تبلغ نحو 500 تريليون ين، أي ما يعادل أكثر من 3 تريليونات دولار... لكن ارتفاع العوائد وتقلبات السوق أجبرا البنك على إعادة تقييم سرعة التخارج من سياساته القديمة.

وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها «رويترز»، فإن بنك اليابان لا يستبعد الآن إبطاء أو حتى تعليق خطط تقليص مشتريات السندات إذا استمرت اضطرابات السوق الحالية. وفي الوقت نفسه، تتزايد التوقعات بأن يرفع البنك المركزي أسعار الفائدة خلال اجتماعه في يونيو (حزيران) أو يوليو (تموز)، لكن بوتيرة رمزية وحذرة للغاية.

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في إحدى جلسات البرلمان السابقة بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

• حساسية استثنائية

وتكمن المشكلة في أن أي رفع سريع للفائدة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في عوائد السندات اليابانية، وهو ما قد يرفع تكلفة خدمة الدين العام الياباني، الذي يُعد الأكبر في العالم مقارنة بحجم الاقتصاد.

وتحمل هذه النقطة حساسية استثنائية لأن بنك اليابان يمتلك حالياً نحو 49 في المائة من إجمالي السندات الحكومية اليابانية المتداولة، ما يجعل أي تغيير في سياسته النقدية مؤثراً مباشرة على استقرار السوق وتكلفة تمويل الدولة.

كما بدأت صناديق التحوط العالمية تراهن بصورة متزايدة ليس فقط ضد الين، بل أيضاً ضد السندات اليابانية طويلة الأجل، في اختبار واضح لقدرة بنك اليابان على السيطرة على منحنى العائد ومنع انفلات العوائد.

وحذر عضو مجلس إدارة بنك اليابان هاجيمي تاكاتا أخيراً من أن تقليص مشتريات السندات بسرعة كبيرة قد يؤدي إلى «تقلبات مفرطة» أو حتى تدهور أداء السوق إذا لم تتم إدارة العملية بحذر شديد.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك المركزي في العاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

• سيناريوهات الأزمة

وفي هذا السياق، يناقش بنك اليابان حالياً ثلاثة سيناريوهات رئيسية خلال اجتماعه المقبل، الأول يتمثل في وقف تقليص مشتريات السندات مؤقتاً والإبقاء على وتيرة الشراء الحالية البالغة نحو تريليوني ين شهرياً. أما الثاني فهو الاستمرار في تقليص المشتريات بالمعدل الحالي البالغ 200 مليار ين كل ثلاثة أشهر. بينما يقضي السيناريو الثالث، الذي يراه كثير من المحللين الأكثر ترجيحاً، بإبطاء التخفيض إلى 100 مليار ين فقط كل ثلاثة أشهر لتخفيف الضغوط على الأسواق.

لكن مهما كان القرار النهائي، فإن الأسواق تدرك أن اليابان باتت تواجه اختباراً بالغ الحساسية: فهل يستطيع بنك اليابان إنهاء عصر الأموال الرخيصة دون التسبب في أزمة ديون أو انهيار في سوق السندات؟

ولا تقتصر تداعيات هذا السؤال على اليابان وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فأي اضطراب حاد في الين أو السندات اليابانية أو سوق الدين الأميركي قد ينعكس سريعاً على أسعار الفائدة والعملات والأسهم عالمياً. كما أن استمرار ضعف الين يزيد الضغوط التنافسية على الاقتصادات الآسيوية الأخرى، ويدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم رهاناتهم على مسار أسعار الفائدة العالمية.

وفي ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار الضغوط على الاقتصاد الصيني، تبدو اليابان اليوم أمام اختبار لا يتعلق فقط بمستقبل عملتها، بل بمستقبل واحدة من أهم ركائز النظام المالي العالمي، فالمعضلة اليابانية لم تعد مجرد أزمة ين أو سندات، بل تحولت إلى اختبار عالمي لقدرة البنوك المركزية على إنهاء عصر السيولة الرخيصة دون زعزعة استقرار أسواق الدين الدولية.


مقالات ذات صلة

إغلاق قياسي لمؤشر «نيكي» مع تألق أسهم الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

إغلاق قياسي لمؤشر «نيكي» مع تألق أسهم الذكاء الاصطناعي

ارتفع مؤشر نيكي الياباني للأسهم إلى مستوى إغلاق قياسي يوم الجمعة، مدعوماً بارتفاع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد متسوقون أمام قسم الأغذية الطازجة في أحد المتاجر الكبرى بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

اليابان تؤكد أنها ستتجنب الاعتماد المفرط على الديون لتمويل موازنة إضافية

صرحت وزيرة المالية اليابانية، يوم الجمعة، بأن الحكومة ستسعى لتجنب الاعتماد المفرط على إصدار ديون جديدة في حال إعداد موازنة إضافية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد رموز العناصر الأرضية النادرة وفي الخلفية علم الصين (رويترز)

الصين تُضيّق الخناق على اليابان في المعادن الأرضية النادرة

قطعت الصين إمدادات اليابان من العديد من المعادن الأرضية النادرة الثقيلة ومواد أخرى لمدة أربعة أشهر على الأقل، بالتزامن مع تصعيد بين البلدين حول تايوان.

«الشرق الأوسط» (بكين - طوكيو)
الاقتصاد أعلام بريطانيا قرب ساعة بيغ بن في ساحة البرلمان بلندن (رويترز)

عجز مالي قياسي بريطاني يُنذر بضغوط مبكرة على موازنة ريفز جراء الحرب

أظهرت البيانات المالية العامة البريطانية تسجيل أكبر عجز منذ جائحة كوفيد-19 في أبريل، فيما قد يمثل مؤشراً مبكراً على الضغوط التي ستواجهها وزيرة المالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد الملياردير الأميركي إيلون ماسك (رويترز) p-circle

خطوة واحدة تفصل ماسك عن لقب «أول تريليونير»

كشفت شركة «سبيس إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، عن خططها لطرح أسهمها للاكتتاب العام في الولايات المتحدة؛ ما يفتح الباب أمام إدراجها في البورصة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إغلاق قياسي لمؤشر «نيكي» مع تألق أسهم الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

إغلاق قياسي لمؤشر «نيكي» مع تألق أسهم الذكاء الاصطناعي

شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

ارتفع مؤشر نيكي الياباني للأسهم إلى مستوى إغلاق قياسي يوم الجمعة، مدعوماً بارتفاع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي على خلفية مكاسب نظيراتها الأميركية.

وأنهى مؤشر نيكي اليوم مرتفعاً بنسبة 2.7 في المائة عند 63,339.07 نقطة، على الرغم من عدم تمكنه من تجاوز أعلى مستوى له خلال التداولات على وجه العموم والبالغ 63,799.32 نقطة المسجل في 14 مايو (أيار). وزاد مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 1 في المائة ليصل إلى 3,892.46 نقطة.

وصعد مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات، وهو مؤشر أميركي لأسهم شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية يحظى بمتابعة دقيقة، بنسبة 1.3 في المائة خلال الليل. وانتعشت الأسهم اليابانية بقوة من أدنى مستوياتها في عدة أسابيع التي سجلتها يوم الأربعاء، مدعومةً بشكل كبير بمؤشرات اقتراب الحرب الإيرانية من نهايتها، والتي ساهمت أيضاً في خفض أسعار النفط وعوائد السندات العالمية.

وكتب ماساشي أكوتسو وتيتسوهيرو تاكوياما، الاستراتيجيان في «بنك أوف أميركا» للأوراق المالية، في تقرير: «على الرغم من أن تصحيح الأسهم اليابانية، خصوصاً أسهم الذكاء الاصطناعي، قد يستمر لفترة أطول، فإننا لا نتوقع أن يطول أمده أو أن يكون حاداً». وأضافا: «من منظور متوسط الأجل، نحافظ على تفضيلنا للأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ونظرتنا الإيجابية تجاه الأسهم اليابانية».

ويوم الجمعة، كانت مجموعة «سوفت بنك»، المستثمرة في الذكاء الاصطناعي، الداعم الأكبر لمؤشر نيكي، حيث ساهمت بـ 578 نقطة من إجمالي مكاسب المؤشر البالغة 1655 نقطة، مسجلةً ارتفاعاً بنسبة 11.9 في المائة. وكانت شركة «طوكيو إلكترون»، عملاق صناعة معدات الرقائق الإلكترونية، من المساهمين الرئيسيين في الارتفاع، حيث عوضت خسائرها الأولية لتنهي التداولات بارتفاع قدره 2.1 في المائة.مع ذلك، كان توزيع الأسهم بين مكونات مؤشر نيكي أكثر توازناً، إذ ارتفعت أسهم 120 شركة، وانخفضت أسهم 100 شركة، بينما استقرت أسهم خمس شركات.

وفي السوق الأوسع، حققت 16 مجموعة صناعية من أصل 33 مجموعة في بورصة طوكيو مكاسب، بقيادة قفزة بلغت 6.8 في المائة في قطاع المعادن غير الحديدية، الذي شمل شركتي «فوروكاوا إلكتريك» و«فوجيكورا»، المصنّعتين لكابلات مراكز البيانات، واللتين ارتفعت أسهمهما بنسبة 8.9 في المائة و7.8 في المائة على التوالي.

تباين السندات

وفي غضون ذلك، تباين أداء السندات الحكومية اليابانية يوم الجمعة، حيث أدى التفاؤل بشأن قرب انتهاء الحرب الإيرانية إلى انخفاض عوائد السندات طويلة الأجل، بينما رفعت التكهنات بتشديد بنك اليابان للسياسة النقدية في وقت سابق عوائد السندات قصيرة الأجل.

وانخفضت عوائد السندات اليابانية طويلة الأجل تماشياً مع تحركات سندات الخزانة الأميركية خلال الليل، في أعقاب تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة وإيران اقتربتا من التوصل إلى مسودة نهائية لاتفاق سلام.

وترتفع العوائد عالمياً مع ارتفاع أسعار النفط، حيث أثارت الحرب مخاوف بشأن التضخم. وترتفع العوائد عندما تنخفض أسعار السندات. وانخفض عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 30 عاماً بمقدار نقطتين أساسيتين إلى 4 في المائة يوم الجمعة، وتراجع عائد السندات لأجل 40 عاماً بمقدار 3 نقاط أساسية إلى 4.21 في المائة. بينما استقر عائد السندات لأجل 20 عاماً عند 3.69 في المائة.

وكتب يوسوكي ماتسو، كبير الاقتصاديين في شركة «ميزوهو للأوراق المالية»، في مذكرة موجهة للعملاء: «أدى الصراع الممتد في الشرق الأوسط إلى مخاوف مستمرة بشأن تدهور الوضع المالي لليابان على المدى المتوسط نتيجةً لدعم الطاقة غير المحدود». وأضاف: «نعتقد أنه سيكون من الصعب تحقيق الاستقرار في الوضع ما لم يتم حل الصراع الأساسي في إيران، وما يترتب عليه من آثار عالمية».

وسعت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما إلى طمأنة المستثمرين بالقول إن الحكومة ستسعى إلى تجنب الاعتماد المفرط على إصدار ديون جديدة في حال إعداد ميزانية إضافية لمواجهة ارتفاع الأسعار.

ومن جانبها، ارتفعت عوائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساسية لتصل إلى 2.785 في المائة، كما ارتفعت عوائد السندات لأجل خمس سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساسية لتصل إلى 2.02 في المائة، مع تحوّل المتداولين إلى نظرة أكثر تشدداً تجاه سياسة بنك اليابان. بينما استقرت عوائد السندات لأجل عامين عند 1.44 في المائة.

وصرحت جونكو كويدا، عضو مجلس إدارة بنك اليابان، يوم الخميس، بأن على البنك رفع أسعار الفائدة بوتيرة مناسبة، نظراً لاحتمالية تجاوز التضخم الأساسي النسبة المستهدفة البالغة 2 في المائة. وأظهرت بيانات صدرت يوم الجمعة أن التضخم الأساسي في اليابان بلغ أدنى مستوى له في أربع سنوات خلال شهر أبريل (نيسان)، إلا أن ذلك لم يؤثر على السوق، حيث يرى الاقتصاديون أن تأثيرات الحرب على الأسعار لن تظهر حتى يونيو (حزيران) أو يوليو (تموز). ووفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن، يرى المتداولون حالياً أن احتمالية رفع بنك اليابان لأسعار الفائدة في 16 يونيو تبلغ نحو 74 في المائة.


اليابان تؤكد أنها ستتجنب الاعتماد المفرط على الديون لتمويل موازنة إضافية

متسوقون أمام قسم الأغذية الطازجة في أحد المتاجر الكبرى بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
متسوقون أمام قسم الأغذية الطازجة في أحد المتاجر الكبرى بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

اليابان تؤكد أنها ستتجنب الاعتماد المفرط على الديون لتمويل موازنة إضافية

متسوقون أمام قسم الأغذية الطازجة في أحد المتاجر الكبرى بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
متسوقون أمام قسم الأغذية الطازجة في أحد المتاجر الكبرى بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

صرحت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما، يوم الجمعة، بأن الحكومة ستسعى لتجنب الاعتماد المفرط على إصدار ديون جديدة في حال إعداد موازنة إضافية.

وقالت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي، يوم الاثنين، إنها طلبت من حكومتها النظر في إعداد موازنة تكميلية لتمويل الإجراءات اللازمة للتخفيف من الأثر الاقتصادي الناجم عن ارتفاع التكاليف بسبب الحرب مع إيران.

وذكرت وسائل إعلام محلية أن حجم الموازنة التكميلية للسنة المالية الحالية قد يصل إلى نحو 3 تريليونات ين (نحو 18.9 مليار دولار). وقالت كاتاياما: «أفضّل الامتناع عن التعليق على الحجم الدقيق للموازنة الإضافية، وأعتقد أن رئيسة الوزراء ستوضح الأمر بمزيد من التفصيل يوم الاثنين. لكن حجمها قريب من المستوى الذي يتم الحديث عنه».

وأضافت كاتاياما أن رئيسة الوزراء وجّهتها أيضاً إلى تقليل المخاطر عند وضع خطوات لتخفيف الأعباء الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع التضخم. وقالت في مؤتمر صحافي: «عندما نتحدث عن تقليل المخاطر، فإننا نعني الحفاظ على حوار بنّاء مع الأسواق المالية. وكما قالت رئيسة الوزراء، سنسعى جاهدين لتجنب الاعتماد قدر الإمكان على إصدار سندات لتغطية العجز».

• تباطؤ التضخم الأساسي

في سياق منفصل، أظهرت بيانات صدرت يوم الجمعة أن التضخم الأساسي السنوي في اليابان تباطأ إلى أدنى مستوى له في أربع سنوات في أبريل (نيسان) بسبب تأثير الدعم الحكومي على الوقود والتعليم، على الرغم من أن المحللين يتوقعون أن يؤدي ارتفاع أسعار الوقود نتيجة لحرب الشرق الأوسط إلى تسريع نمو الأسعار في الأشهر المقبلة.

وارتفع مؤشر أسعار المستهلك الأساسي في اليابان، الذي يُلغي تأثير تقلبات أسعار المواد الغذائية الطازجة، بنسبة 1.4 في المائة في أبريل (نيسان) مقارنةً بالعام السابق، وهو معدل أبطأ بكثير من ارتفاعه بنسبة 1.8 في المائة في مارس (آذار)، وأقل من متوسط توقعات السوق البالغة 1.7 في المائة.

وكان هذا الارتفاع هو الأبطأ منذ مارس 2022، حيث أثر انخفاض رسوم التعليم بنسبة 10.6 في المائة سلباً على تضخم قطاع الخدمات، مُعوضاً بذلك الزيادات المطردة في مجموعة من السلع الأخرى، بما في ذلك المواد الغذائية، وفقاً للبيانات.

وارتفع مؤشر منفصل، يستثني تأثير تقلبات أسعار المواد الغذائية الطازجة والوقود، الذي يراقبه بنك اليابان عن كثب باعتباره مقياساً أدق لتحركات الأسعار المدفوعة بالطلب، بنسبة 1.9 في المائة في أبريل مقارنةً بالعام الماضي، بعد ارتفاعه بنسبة 2.4 في المائة في مارس.

وقال أبهيجيت سوريا، كبير الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «كابيتال إيكونوميكس»: «على الرغم من انخفاض الضغوط التضخمية في أبريل، فإنها ستعاود الارتفاع قريباً. وعليه، ما زلنا نعتقد أن بنك اليابان سيرجح استئناف دورة التشديد النقدي عاجلاً وليس آجلاً».

وتُعد هذه البيانات من بين العوامل التي سيدقق فيها بنك اليابان في اجتماع السياسة النقدية الشهر المقبل، حيث من المتوقع على نطاق واسع أن يرفع مجلس الإدارة سعر الفائدة قصير الأجل إلى 1 في المائة من 0.75 في المائة.

وشهدت الأسواق اضطراباً بعد أن أدت الحرب الإيرانية إلى إغلاق مضيق هرمز فعلياً، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره نحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط الخام وتراجع قيمة الدولار الأميركي، باعتباره ملاذاً آمناً، مقابل الين الياباني.

وقد زادت الحرب من تعقيد خطة بنك اليابان لرفع أسعار الفائدة، إذ فاقمت الضغوط التضخمية، وأثقلت كاهل اقتصاد يعتمد بشكل كبير على واردات الوقود من الشرق الأوسط.

وتسارع التضخم في أسعار الجملة، وهو مؤشر رئيسي لأسعار المستهلك، في أبريل بأسرع وتيرة له منذ ثلاث سنوات، حيث رفعت الحرب الإيرانية أسعار النفط والسلع الكيميائية، مما عزز الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة على المدى القريب.

وقالت جونكو كويدا، عضو مجلس إدارة بنك اليابان، يوم الخميس، إنها تدرس بدقة سرعة وحجم انتقال التضخم من أسعار الجملة إلى أسعار المستهلك، وذلك لتقييم وتيرة وتوقيت رفع أسعار الفائدة مستقبلاً.

وأضافت كويدا: «أعتقد أنه من المعقول رفع سعر الفائدة الرئيسي بوتيرة مناسبة لمعالجة التضخم المرتفع، مع مراعاة التداعيات الاقتصادية المترتبة على ذلك». وحذرت من أن صدمة الطاقة قد تدفع التضخم الأساسي إلى ما فوق هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

ومن المرجح أن يلقي محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، خطاباً في الثالث من يونيو (حزيران) المقبل، الذي سيخضع للتدقيق بحثاً عن أي تلميحات حول ما إذا كان البنك المركزي سيرفع أسعار الفائدة بالفعل في اجتماع السياسة النقدية المقرر عقده يومي 15 و16 يونيو.


الصين تُضيّق الخناق على اليابان في المعادن الأرضية النادرة

رموز العناصر الأرضية النادرة وفي الخلفية علم الصين (رويترز)
رموز العناصر الأرضية النادرة وفي الخلفية علم الصين (رويترز)
TT

الصين تُضيّق الخناق على اليابان في المعادن الأرضية النادرة

رموز العناصر الأرضية النادرة وفي الخلفية علم الصين (رويترز)
رموز العناصر الأرضية النادرة وفي الخلفية علم الصين (رويترز)

قطعت الصين إمدادات اليابان من العديد من المعادن الأرضية النادرة الثقيلة ومواد أخرى لمدة أربعة أشهر على الأقل، بالتزامن مع تصعيد بين البلدين حول تايوان، مما يُشير إلى أن بكين تستخدم سيطرتها على المعادن الحيوية كورقة ضغط دبلوماسية.

وتُعد اليابان أكبر مُصنّع للمغناطيسات المصنوعة من المعادن الأرضية النادرة خارج الصين، لكنها، كبقية دول العالم، تعتمد بشكل كبير على بكين في استيراد بعض المعادن الأرضية النادرة الثقيلة المستخدمة في صناعة المغناطيسات والفضاء والدفاع، بالإضافة إلى الغاليوم، وهو معدن ثانوي حيوي لصناعة الرقائق الإلكترونية.

ومنذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، توقفت الصادرات الصينية من المعادن الأرضية النادرة، مثل الديسبروسيوم والتيربيوم وأكسيد الإيتريوم، بالإضافة إلى معدن الغاليوم المتخصص، إلى اليابان، باستثناء شحنات قليلة جداً من الإيتريوم، وفقاً لبيانات الجمارك الصينية.

وأوقفت شركة «شين - إيتسو» اليابانية، إحدى كبرى شركات تصنيع المغناطيس، قبول طلبات جديدة لمغناطيس يحتوي على «الديسبروزيوم»، وفقاً لعميل غربي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته. وامتنعت الشركة عن التعليق.

ويُشابه هذا التوقف للصادرات، الذي بدأ بعد وقت قصير من اندلاع الخلاف الدبلوماسي حول تايوان في نوفمبر (تشرين الثاني)، إجراءات بكين المُقيِّدة لصادرات هذه المواد إلى الولايات المتحدة خلال الحرب التجارية الحالية.

وقد شددت بكين علناً ضوابط التصدير إلى اليابان في يناير (كانون الثاني)، ثم مرتين أخريين في الشهر التالي، مستهدفةً تكتلات كبرى، من بينها أقسام بناء السفن ومحركات الطائرات في شركة «ميتسوبيشي» للصناعات الثقيلة.

ومن المقرر أن يحضر وزير التجارة الياباني، ريوسي أكازاوا، الموجود حالياً في الصين، اجتماعات يوم السبت. وهو أرفع مسؤول ياباني يزور الصين منذ اندلاع النزاع.

وقال مسؤول في وزارة الصناعة اليابانية إن طوكيو تتخذ إجراءات مثل الإفراج عن المخزونات عند الضرورة، دون الكشف عن التفاصيل، مضيفاً أن الحكومة على دراية بالمخاوف بشأن ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات.

تكرار تجربة المعادن الأرضية النادرة

أوضح ديفيد ميريمان، مدير الأبحاث في «مشروع بلو»، أن الشركات اليابانية باتت أكثر تحصيناً من حملة الضغط بعد تباطؤ مماثل في صادرات الصين من المعادن الأرضية النادرة عام 2010، ما دفعها إلى بناء مخزونات. كما سعت هذه الشركات إلى الحد من استخدام المعادن الأرضية النادرة الثقيلة في المغناطيس والبحث عن بدائل.

ووفقاً للبيانات، تواصل الصين تصدير كميات طبيعية من مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة الجاهزة، المستخدمة في صناعة السيارات وغيرها من الشركات الصناعية.

وأبلغت شركة «تي دي كيه»، المتخصصة في تصنيع المكونات، وكالة «رويترز»، أنها لا تتوقع حالياً أي تأثير كبير، وأنها تعمل على تنويع مصادر إمدادها. وكانت شركة «ميتسوبيشي موتورز» قد صرحت في فبراير (شباط) بأنها أمّنت إمداداتها من المعادن الأرضية النادرة حتى منتصف العام.

وساهمت اليابان في تمويل شركات إنتاج بديلة، مثل شركة «ليناس رير إيرثز» الأسترالية، التي أصبحت العام الماضي أول منتج تجاري للتيربيوم والديسبروسيوم المنفصلين خارج الصين. كما أطلقت مشاريع لإنتاج العناصر الأرضية النادرة في أستراليا وفرنسا، ومشروعاً لإنتاج الغاليوم في أستراليا. مع ذلك، من المرجح أن يستغرق الأمر سنوات لتعويض النقص في الإمدادات الصينية من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة.

وفي الربع الأول من عام 2026، أنتجت «ليناس» 8 أطنان مترية من الديسبروسيوم والتيربيوم. وكانت الصين قد صدّرت حوالي 14 طناً شهرياً من هذين المعدنين إلى اليابان في عام 2024.