تباطؤ حاد يصدم الاقتصاد الصيني في أبريل

تراجع الإنتاج الصناعي والمبيعات يهدد آفاق النمو بضغوط حرب إيران

سفن قيد الإنشاء في منشأة لبناء السفن في يانغتشو، بمقاطعة جيانغسو الشرقية في الصين (أ.ف.ب)
سفن قيد الإنشاء في منشأة لبناء السفن في يانغتشو، بمقاطعة جيانغسو الشرقية في الصين (أ.ف.ب)
TT

تباطؤ حاد يصدم الاقتصاد الصيني في أبريل

سفن قيد الإنشاء في منشأة لبناء السفن في يانغتشو، بمقاطعة جيانغسو الشرقية في الصين (أ.ف.ب)
سفن قيد الإنشاء في منشأة لبناء السفن في يانغتشو، بمقاطعة جيانغسو الشرقية في الصين (أ.ف.ب)

فقد النمو الاقتصادي في الصين زخمه بشكل ملحوظ خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، حيث سجل الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة أرقاماً جاءت دون التوقعات بكثير.

ويأتي هذا التراجع الحاد ليوجه ضربة قوية لآفاق تعافي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في وقت تكافح فيه البلاد لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بالتزامن مع استمرار ضعف الطلب المحلي المستمر منذ فترة طويلة.

وعلى الرغم من أن الصادرات الصينية التي جاءت أفضل من المتوقع، إلى جانب قيود تسعير الوقود المحلية التي تفرضها بكين، قد ساعدتا في تخفيف حدة صدمة الطاقة الحالية، إلا أن ارتفاع تكاليف المدخلات بات يهدد بتآكل هوامش أرباح المصانع الضعيفة أصلاً. ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا النزاع العسكري قد يؤدي إلى مزيد من الإحباط للإنفاق الاستهلاكي في البلاد إذا ما طال أمد الصراع.

عاملة تراقب المنتجات المعدة للتصدير في مصنع تعبئة وتغليف بمدينة ليانيونغانغ، في مقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)

أبطأ نمو للإنتاج الصناعي منذ صيف 2023

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني للإحصاء في الصين يوم الاثنين، أن الإنتاج الصناعي نما بنسبة 4.1 في المائة في أبريل الماضي على أساس سنوي، مقارنة بارتفاع بلغ 5.7 في المائة في شهر مارس (آذار).

وجاءت هذه الأرقام المخيبة للآمال لتبتعد كثيراً عن توقعات استطلاع الرأي الذي أجرته وكالة «رويترز»، والذي كان يشير إلى نمو بنسبة 5.9 في المائة، مما يمثل أبطأ وتيرة نمو للإنتاج الصناعي الصيني منذ شهر يوليو (تموز) من عام 2023.

وفي تعليقه على هذه الأرقام، قال جيفري تشانغ، الرئيس وكبير الاقتصاديين في مؤسسة «بينبوينت» لإدارة الأصول: «إن الأداء القوي لقطاع التصدير ساعد جزئياً في تخفيف حدة الضعف الذي يشهده الطلب المحلي، لكنه لم يكن كافياً على الإطلاق للتعويض عن هذا الانكماش بشكل كامل».

وقد تسارعت حركة الصادرات الصينية في أبريل مع مسارعة المصانع لتلبية موجة عارمة من الطلبات القادمة من الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب سعي مشتريين آخرين لتخزين المكونات والقطع الحيوية خوفاً من أن تؤدي الحرب في إيران إلى دفع تكاليف المدخلات العالمية لمستويات أعلى.

وأضاف تشانغ أنه لا يتوقع أن تغير الحكومة الصينية نهجها السياسي أو تتدخل على الفور بناءً على بيانات شهر واحد فقط، مرجحاً أن تقوم بكين بإعادة تقييم موقفها في شهر يوليو (تموز) المقبل عند صدور بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني.

يستمتع الناس بالمنظر في حديقة بالقرب من منطقة تجارية مركزية في شنتشن، مقاطعة غوانغدونغ، الصين (رويترز)

إنفاق المستهلكين يتجمد

من جهة أخرى، كشفت البيانات عن تراجع حاد في مبيعات التجزئة – التي تعد المقياس الأساسي لمستوى الاستهلاك الفردي – حيث ارتفعت بنسبة ضئيلة جداً بلغت 0.2 في المائة فقط في أبريل، وهو تباطؤ قاصٍ مقارنة بنسبة النمو المسجلة في مارس عند 1.7 في المائة. ويمثل هذا الرقم أضعف مكسب للمبيعات منذ ديسمبر 2022، كما جاء أقل بكثير من متوسط التوقعات التي كانت تتمحور حول زيادة بنسبة 2 في المائة.

ولا يزال الاستهلاك العائلي في الصين هشاً للغاية؛ إذ انخفضت مبيعات السيارات المحلية بنسبة 21.6 في المائة في أبريل مقارنة بالعام السابق، لتسجل بذلك الشهر السابع على التوالي من التراجع، على الرغم من تكثيف شركات صناعة السيارات جهودها للتوسع في الأسواق الخارجية للتعويض عن الركود الداخلي الشديد.

وأوضح يوهان تشانغ، الاقتصادي الرئيسي في مركز الصين التابع لمؤسسة «كونفرنس بورد»، أن نمو مبيعات التجزئة في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 يشير إلى استمرار ضعف الطلب العائلي، حيث يركز المستهلكون إنفاقهم على فئات انتقائية وتحديثات تكنولوجية محددة بدلاً من الاستهلاك الواسع النطاق. وأشار إلى أن هذا الانقسام يسلط الضوء على «تعافٍ بسرعتين مختلفتين»؛ حيث يستمر الإنفاق المستقر على تحسينات نمط الحياة الصغيرة والتكنولوجيا، بينما تنعدم الشهية تماماً للمشتريات الكبيرة المعتمدة على الائتمان والمرتبطة بقطاع الإسكان والدخل المستقبلي.

سيارات فولفو في ميناء نانجينغ، بمقاطعة جيانغسو شرقي الصين (أ.ف.ب)

انكماش الاستثمار في الأصول الثابتة

ومما زاد من قتامة المشهد الاقتصادي، انكمش الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 1.6 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، مقارنة بارتفاع بنسبة 1.7 في المائة في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس، وهو ما جاء مخيباً للتوقعات التي كانت تشير إلى توسع بنسبة 1.6 في المائة. وعزا اقتصاديون هذا التراجع إلى هبوط مؤشر مديري المشتريات الرسمي لقطاع البناء، فضلاً عن هطول الأمطار الغزيرة الفيضانية في أجزاء من جنوب الصين، وهي عوامل عرقلت نمو الاستثمارات الميدانية.

وتقدم أرقام شهر أبريل مؤشرات مبكرة على أن الزخم الذي حققه الاقتصاد الصيني في الربع الأول بدأ يتلاشى بالفعل. ورغم أن قطاع العقارات المأزوم واستمرار تراجعه الطويل لا يزال يمثل عبئاً ثقيلاً على النمو (حيث اتسع انكماش الاستثمار العقاري في أبريل على أساس سنوي)، فإن الصراع المسلح في الشرق الأوسط قد عرّض الاقتصاد لمخاطر خارجية داهمة في وقت يعاني فيه الاستهلاك الداخلي من الضعف الشديد.

قمة ترمب وشي

تأتي هذه البيانات القاتمة مباشرة بعد اختتام الرئيس الأميركي دونالد ترمب لزيارة الدولة التي قام بها إلى الصين الأسبوع الماضي. وعلى الرغم من أن القمة لم تسفر عن مفاجآت كبرى، إلا أنها نجحت في تهدئة العلاقات المتوترة بين أكبر اقتصادين في العالم؛ حيث اتفقت الصين والولايات المتحدة على توسيع تجارة المنتجات الزراعية من خلال خفض الرسوم الجمركية، ومعالجة الحاجز غير الجمركي وقضايا الوصول إلى الأسواق، لكن إحراز تقدم جوهري وملموس في ملفات التجارة والاستثمار الواسعة ظل بعيد المنال.

وكان الاقتصاد الصيني قد نما بنسبة 5.0 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، مستقراً عند الحد الأعلى للنطاق المستهدف للحكومة للعام بأكمله البالغ 4.5 في المائة إلى 5.0 في المائة. ومع ذلك، حذر المحللون مراراً وتكراراً من أن هذا التعافي يستند إلى أرضية غير مستقرة وغير متوازنة، نظراً لأن الإنتاج الصناعي لا يزال يتفوق بمسافات شاسعة على حجم الطلب المحلي الفعلي.

وفي مواجهة هذه الصدمات الخارجية، تعهد كبار القادة الصينيين بتعزيز أمن الطاقة في البلاد، وتسريع وتيرة الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والسعي لفرض سيطرة أكبر على سلاسل التوريد.

وجدد المكتب السياسي للحزب الحاكم (البوليتبورو) التأكيد على تبني سياسة مالية «استباقية» وسياسة نقدية «فضفاضة ومناسبة»، وهي لغة تتماشى تماماً مع الاجتماعات السابقة، مما يشير بوضوح إلى عدم وجود خطط حكومية فورية لضخ حزم تحفيز إضافية في الوقت الراهن.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد ترمب يسير مع شي في معبد السماء ببكين 14 مايو 2026 (أ.ب)

الصين وأميركا قد تخفضان الرسوم الجمركية لتعزيز التبادل التجاري

أعلنت وزارة التجارة الصينية أن الصين والولايات المتحدة اتفقتا على زيادة التجارة الزراعية من خلال خفض الرسوم الجمركية ومعالجة العقبات والوصول للأسواق

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد عن قمة بكين: حوار بنّاء يصبّ في مصلحة الاقتصاد العالمي

أعلن صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، ترحيبه بالحوار الإيجابي الأولي بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وفد من المسؤولين الأميركيين ورجال الأعمال يقفون أمام حفل استقبال ترمب في قاعة الشعب الكبرى في بكين (أ.ب)

شي يطمئن عمالقة التكنولوجيا الأميركيين: «أبواب الصين ستزداد انفتاحاً»

في لقاء تاريخي شهدته قاعة الشعب الكبرى في بكين، وجه الرئيس الصيني شي جينبينغ رسالة طمأنة قوية إلى قادة كبرى الشركات الأميركية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مجسمات بلاستيكية تُصوّر الرئيس الصيني مرتدياً زيّ إمبراطور من سلالة تشينغ، برفقة زوجته، وترمب (أ.ف.ب)

اليوان الصيني يسجل أعلى مستوياته في 3 سنوات وسط ترقب لنتائج قمة ترمب - شي

شهدت الأسواق الصينية حالة من التباين في تعاملات يوم الخميس، حيث قفز اليوان الصيني إلى أعلى مستوياته مقابل الدولار منذ ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (بكين)

اليابان تلجأ إلى الديون لتمويل ميزانية إضافية... وعاصفة نقدية تضرب الأسواق

شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» في شركة أوراق مالية (أ.ب)
شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» في شركة أوراق مالية (أ.ب)
TT

اليابان تلجأ إلى الديون لتمويل ميزانية إضافية... وعاصفة نقدية تضرب الأسواق

شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» في شركة أوراق مالية (أ.ب)
شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» في شركة أوراق مالية (أ.ب)

تواجه اليابان ضغوطاً اقتصادية مركبة وضعت أسواقها المالية في عين العاصفة؛ حيث تعتزم الحكومة إصدار أدوات دين سيادية جديدة لتمويل ميزانية إضافية طارئة تهدف إلى كبح التداعيات الحادة الناجمة عن حرب إيران وتصاعد الصراع في الشرق الأوسط.

هذا التوجه المالي التوسعي، المتزامن مع اشتعال أسعار الطاقة عالمياً، أطلق موجة بيع عنيفة وغير مسبوقة في أسواق السندات والأسهم اليابانية، مما وضع البنك المركزي الياباني أمام خيارات بالغة التعقيد قبيل اجتماعه الحاسم المرتقب الشهر المقبل.

وتأتي هذه التطورات الميدانية والمالية لتزيد من قتامة المشهد في طوكيو، في وقت يراقب فيه المستثمرون بقلق بوادر ما يُعرف بـ«البيع الثلاثي العنيف»، والذي يجمع بين هبوط أسعار الأسهم، وتراجع قيمة السندات، وانخفاض الين الياباني، وهو ما يضع تعهدات الإدارة السياسية الجديدة بشأن السياسة المالية «المسؤولة والنشطة» على المحك.

تحول سياسي مفاجئ

في خطوة تمثل تراجعاً عن تصريحاتها السابقة التي استبعدت فيها إقرار ميزانية ملحقة، أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي أنها أصدرت توجيهات رسمية لوزير المالية ساتسوكي كاتاياما لبدء صياغة ميزانية تكملية طارئة. ورغم أن الحجم النهائي للإنفاق لم يتم تحديده بدقة بعد، إلا أن المقترح الذي قدمه زعيم حزب المعارض يويشيرو تاماكي بطلب ميزانية بقيمة 3 تريليونات ين (نحو 18.9 مليار دولار) بات يشكل خطاً استرشادياً للمناقشات البرلمانية الجارية.

وستركز الميزانية الجديدة بشكل أساسي على تمويل الدعم الحكومي الموجه لقطاع الطاقة والكهرباء والحد من قفزات أسعار البنزين، بعد أن تسببت الحرب في الشرق الأوسط وهجوم المسيرات على المنشآت النفطية والنووية في الخليج في تهديد أمن الإمدادات لبلد يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الوقود. غير أن تمويل هذه الحزمة عبر الديون يهدد بتعميق الأزمة المالية الحادة لليابان وسحب جزء من ثقة صناديق الاستثمار الدولية.

عوائد السندات تقفز لقمم غير مسبوقة منذ عقود

تفاعلت أسواق الدين اليابانية بشكل دراماتيكي مع أنباء إصدار السندات الإضافية ومخاوف التضخم؛ إذ قفز العائد على سندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 2.79 في المائة بعد أن لامس مستوى 2.8 في المائة في وقت سابق من التداولات، وهو المستوى الأعلى الذي تسجله هذه السندات منذ أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1996، محققة أطول سلسلة مكاسب يومية للعوائد منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

ولم تقتصر القفزات على السندات قصيرة ومتوسطة الأجل، بل امتدت لتسجل أرقاماً قياسية تاريخية؛ حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 5 سنوات إلى قمة قياسية عند 2.035 في المائة، في حين قفز العائد على السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 9.5 نقطة أساس ليصل إلى 3.735 في المائة.

وجاءت المفاجأة الأكبر من السندات طويلة الأجل لأجل 30 عاماً، والتي قفز عائدها بمقدار 19.5 نقطة أساس ليصل إلى مستوى تاريخي غير مسبوق عند 4.195 في المائة، تزامناً مع تزايد رهان المستثمرين على تشديد السياسات النقدية حول العالم.

بورصة طوكيو تتراجع للمرة الثالثة

انعكست أزمة الديون وسوق السندات مباشرة على معنويات المستثمرين في بورصة طوكيو، حيث هبط مؤشر «نيكي 225» الرئيسي بنسبة 1.2 في المائة ليغلق عند مستوى 60646.03 نقطة، مسجلاً تراجعه اليومي الثالث على التوالي، في حين فقد مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 1.02 في المائة من قيمته ليتراجع إلى 3824.46 نقطة.

وجاء هذا الهبوط متأثراً بالخسائر الجسيمة التي منيت بها مؤشرات «وول ستريت» الأميركية نتيجة تراجع أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الضغوط المتزايدة الناجمة عن تعثر ديبلوماسية السلام بين الولايات المتحدة وإيران عقب القمة المخيبة للتوقعات بين دونالد ترمب وشي جينبينغ. وقادت أسهم الشركات الكبرى والخسائر؛ حيث تراجع سهم «مجموعة ماروي» بنسبة 9.7 في المائة ، يليه سهم «مجموعة ميزوهو المالية» بنسبة 7.5 في المائة، وسهم "جي جي سي القابضة» بنسبة 7.3 في المائة.

معضلة بنك اليابان

تضع هذه التطورات المتسارعة بنك اليابان المركزي أمام معضلة حقيقية خلال اجتماعه المقرر في شهر يونيو (حزيران) المقبل؛ حيث تسببت صدمة أسعار الطاقة واشتعال تكاليف الاستيراد بفعل ضعف الين في دفع التضخم الأساسي لأسعار الجملة في اليابان إلى أعلى مستوى له في 3 سنوات عند 4.9 في المائة خلال أبريل (نيسان) الماضي، مما يعزز مبررات رفع أسعار الفائدة كإجراء حمائي عاجل.

وتتوقع الأسواق بشكل متزايد أن يقدم البنك المركزي على رفع معدل الفائدة الرئيسي قصير الأجل إلى 1 في المائة مقارنة بالمستوى الحالي البالغ 0.75 في المائة، لاسيما وأن السندات لأجل عامين – الأكثر حساسية لتوجهات البنك المركزي – قفزت عوائدها إلى 1.435 في المائة وهو المستوى الأعلى منذ مايو (أيار) 1995.

وفي هذا السياق، ترى ماري إيواشيتا، كبيرة استراتيجيي السندات في «نومورا للأوراق المالية»، أن استمرار المخاطر التضخمية قد يجبر البنك المركزي على دفع الفائدة قصيرة الأجل إلى 1.5 في المائة بحلول نهاية السنة المالية في مارس المقبل، مما قد يدفع عوائد السندات لأجل 10 سنوات نحو مستوى 3 في المائة.

أسواق السلع

لم تكن أسواق السلع والمشتقات في اليابان بمعزل عن هذه الفوضى؛ حيث كافحت العقود الآجلة للمطاط في بورصة أوساكا المالية لتحديد اتجاه واضح، متأثرة بضغوط متضاربة بين رغبة الصناديق في جني الأرباح وبين اندفاع التجار لتأمين الشحنات الفعلية خوفاً من تعطل خطوط الإمداد في مضيق هرمز. وانخفض عقد المطاط لتسليم أكتوبر (تشرين الأول) بنسبة ضئيلة بلغت 0.27 في المائة ليصل إلى 412.1 ين للكيلوغرام الواحد.

وعلى العكس من ذلك، سجلت أسواق التداول في شنغهاي مكاسب متباينة؛ حيث ارتفع عقد المطاط الرئيسي في بورصة شنغهاي الآجلة لشهر سبتمبر (أيلول) بنسبة 0.31 في المائة ، في حين قفز عقد مطاط البيوتادين لشهر يونيو (حزيران) بنسبة 2.65 في المائة. وأشار تجار في سنغافورة إلى أن التوقعات ببقاء النفط مرتفعاً لفترة طويلة حفزت تداولات الشراء الفوري واحتفاظ المصانع بمخزونات احتياطية آمنة، مما أدى إلى زيادة المخزونات الخاضعة لمراقبة بورصة شنغهاي بنسبة 2.7 في المائة ، على الرغم من قيام الصناديق الاستثمارية بتصفية نحو ثلث مراكزها الطويلة الأسبوع الماضي للتحوط من تقلبات الأسواق.


أسهم الصين وهونغ كونغ تتراجع بضغط من البيانات الضعيفة وحرب إيران

مصانع تظهر كظلال عند غروب الشمس، في هاندان، الصين (رويترز)
مصانع تظهر كظلال عند غروب الشمس، في هاندان، الصين (رويترز)
TT

أسهم الصين وهونغ كونغ تتراجع بضغط من البيانات الضعيفة وحرب إيران

مصانع تظهر كظلال عند غروب الشمس، في هاندان، الصين (رويترز)
مصانع تظهر كظلال عند غروب الشمس، في هاندان، الصين (رويترز)

تراجعت أسهم أسواق المال في البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ بوضوح خلال تعاملات يوم الاثنين، مع تحول تركيز المستثمرين من المباحثات الثنائية الأميركية الصينية إلى التصعيد العسكري المتسارع في منطقة الشرق الأوسط، وموجة البيع العنيفة التي تضرب أسواق السندات العالمية.

وجاء صدور سلسلة من بيانات الأنشطة الاقتصادية المخيبة للآمال في الصين ليزيد من قتامة المشهد ويضغط بقوة على معنويات مجتمع الاستثمار.

وعند إغلاق فترة التداول المنتصفية (منتصف النهار)، تراجع مؤشر «شنغهاي المركب» بنسبة 0.2 في المائة، في حين فقد مؤشر الأسهم القيادية الصينية «سي اس آي 300» نحو 0.7 في المائة من قيمته. وقاد مؤشر «هانغ سنغ» في بورصة هونغ كونغ الخسائر عبر الأسواق الآسيوية بمروره بهبوط حاد بلغت نسبته 1.4 في المائة، ليعكس التراجعات التي شهدتها بورصة «وول ستريت» في نيويورك خلال الجلسة الماضية.

بيانات تضرب شهية المخاطرة

تأثرت شهية المخاطرة لدى المستثمرين سلباً بعد أن كشفت البيانات الرسمية أن النمو الاقتصادي في الصين فقد زخمه خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي؛ حيث جاءت أرقام الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة دون التوقعات بكثير. ويعود هذا التباطؤ الحاد إلى كفاح ثاني أكبر اقتصاد في العالم لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة الناجم عن حرب إيران، جنباً إلى جنب مع استمرار ضعف مستويات الطلب المحلي.

وتزامنت هذه البيانات مع تعرض خطوط الملاحة المنشآت الحيوية في منطقة الخليج لهجمات جديدة بطائرات مسيرة، مما دفع أسعار النفط وعوائد السندات الدولية للارتفاع مجدداً. وشملت التطورات الميدانية اندلاع حريق في محطة طاقة نووية بالإمارات جراء ضربة مسيرة، في حين أعلنت السعودية عن اعتراض ثلاث طائرات مسيرة، وسط تحذيرات حادة وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران بضرورة التحرك «بسرعة» لإبرام اتفاق.

مخاوف التضخم

أبدى المستثمرون مخاوف متزايدة من احتمال قيام البنوك المركزية العالمية بتشديد سياساتها النقدية بشكل أكبر لمواجهة الضغوط التضخمية الناتجة عن أزمة الطاقة، وهي المخاوف التي غطت تماماً على نتائج قمة بكين بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جينبينغ، والتي أسفرت عن نتائج عملية محدودة.

وفي هذا السياق، أشار لو تينغ، كبير اقتصاديي الشؤون الصينية في مؤسسة «نومورا»، إلى أن القمة حققت استقراراً مؤقتاً قصير المدى لكلا القائدين؛ حيث وصفتها واشنطن بأنها ترتيب براغماتي، بينما اعتبرتها بكين صياغة لـ«علاقة استقرار استراتيجي بناءة بين الولايات المتحدة والصين». وأضاف: «نعتقد أن القمة كانت ناجحة بشكل عام، على الرغم من أنها قد تخيب آمال بعض الأشخاص الذين بنوا توقعات مفرطة الارتفاع قبيل انعقادها مباشرة».

أداء القطاعات

وعلى صعيد أداء القطاعات المدرجة، هبطت أسهم الشركات الزراعية المسجلة في البورصات الصينية بنسبة تجاوزت 2 في المائة.

وجاء هذا التراجع عقب إعلان البيت الأبيض عن التزام بكين بشراء منتجات زراعية أميركية بقيمة لا تقل عن 17 مليار دولار سنوياً خلال الفترة الممتدة من عام 2026 إلى 2028 بموجب الاتفاقيات الجديدة. وفي السياق ذاته، تراجع المؤشر الفرعي المخصص لتتبع أسهم السلع الاستهلاكية الأساسية بنسبة 1.5 في المائة.

وفي المقابل، سجلت أسهم شركات صناعة الرقائق الإلكترونية الصينية ارتفاعاً ملحوظاً؛ وجاءت هذه المكاسب بعد أن أشار مسؤولون أميركيون خلال القمة التي استمرت يومين في بكين الأسبوع الماضي إلى أن قيود التصدير المفروضة على أشباه الموصلات لم تكن قضية أساسية مطروحة، مما يعكس للمستثمرين أن أي اختراق حقيقي يتعلق بمسألة مبيعات رقائق الذكاء الاصطناعي المتطورة من طراز «أتش 200» المملوكة لشركة «إنفيديا» إلى الصين لا يزال أمراً مستبعداً وبعيد المنال في الوقت الراهن.


إندونيسيا: الروبية في قاع تاريخي جديد والرئيس يشدد على متانة الاقتصاد

صيادون ينظفون قاربهم بعد عودتهم من البحر في ميناء لامبولو للصيد التقليدي في باندا آتشيه، إندونيسيا (إ.ب.أ)
صيادون ينظفون قاربهم بعد عودتهم من البحر في ميناء لامبولو للصيد التقليدي في باندا آتشيه، إندونيسيا (إ.ب.أ)
TT

إندونيسيا: الروبية في قاع تاريخي جديد والرئيس يشدد على متانة الاقتصاد

صيادون ينظفون قاربهم بعد عودتهم من البحر في ميناء لامبولو للصيد التقليدي في باندا آتشيه، إندونيسيا (إ.ب.أ)
صيادون ينظفون قاربهم بعد عودتهم من البحر في ميناء لامبولو للصيد التقليدي في باندا آتشيه، إندونيسيا (إ.ب.أ)

تراجعت الروبية الإندونيسية إلى مستوى منخفض قياسي جديد غير مسبوق خلال تعاملات يوم الاثنين، مدفوعة بانهيار حاد في سوق الأسهم المحلية وقفزة في أسعار النفط العالمية التي سجلت أعلى مستوياتها في أسبوعين جراء تداعيات حرب إيران. وفي المقابل، سعى الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو إلى الطمأنة بشأن الأزمة، مؤكداً أن قوى الاقتصاد الكلي قوية، وأن هبوط العملة لن يؤثر على سكان القرى والمناطق الريفية لعدم تعاملهم بالدولار.

وانخفضت الروبية بنسبة تجاوزت 1 في المائة في التعاملات المبكرة، لتصل إلى قاع تاريخي عند 17668 روبية مقابل الدولار الواحد.

ويأتي هذا التدهور ليعمق جراح العملة والأسهم الإندونيسية التي كانت تعاني بالفعل – حتى قبل اندلاع حرب إيران – من ضغوط مكثفة ناتجة عن مخاوف المستثمرين بشأن خطط الإنفاق الحكومي الموسعة، وضبابية الشفافية في الأسواق، فضلاً عن القلق المحيط بمدى استقلالية البنك المركزي.

بورصة جاكرتا تتكبد خسائر فادحة

بالتوازي مع انهيار العملة، هبط المؤشر الرئيسي لأسهم بورصة جاكرتا بنسبة تجاوزت 4 في المائة مع استئناف التداولات عقب عطلة نهاية أسبوع مطولة. وجاءت هذه الموجة البيعية العنيفة بعد أن قامت مؤسسة «أم أس سي آي» العالمية لمؤشرات الأسواق، الأسبوع الماضي، بحذف أكثر من اثنتي عشرة شركة إندونيسية من مؤشراتها المخصصة لإندونيسيا، مما دفع الصناديق الدولية لتسييل مراكزها بسرعة.

وفي مواجهة هذه الضغوط، عمد بنك إندونيسيا المركزي إلى التدخل المباشر والمستمر في سوق الصرف الأجنبي عبر ضخ الدولار لدعم سعر الصرف المتهاوي، ومن المقرر أن يعقد البنك مراجعته الدورية للسياسة النقدية يوم الأربعاء المقبل لاتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة.

على الجانب السياسي، تحدث الرئيس برابوو سوبيانتو يوم السبت الماضي عن ضعف الروبية خلال فعاليتين منفصلتين أثناء زيارته لإقليم جاوة الشرقية، حيث قلل في الخطابين من التأثيرات المباشرة للأزمة على المواطن البسيط، معتبراً أن سكان الريف بمعزل عن تذبذب أسعار الصرف لأن تعاملاتهم اليومية لا تتم بالعملة الأميركية.

وقال برابوو خلال إطلاق برنامج حكومي لبناء التعاونيات في القرى بجميع أنحاء البلاد، مازحاً ومشيراً إلى وزير ماليته بوربايا يودهي ساديوا: «طالما أن بوربايا يستطيع الابتسام، فلا داعي للقلق». وأضاف مخاطباً الحضور: «مهما بلغت قيمت سعر الصرف بآلاف الروبيات أمام الدولار، فإنكم في القرى لا تستخدمون الدولار على أي حال».

وتابع الرئيس الإندونيسي مدافعاً عن الملاءة المالية لبلاده: «ثقوا بأن اقتصادنا قوي، وأن أساسياتنا الاقتصادية متينة. ومهما قال الناس، فإن إندونيسيا ستبقى قوية».

تأمين إمدادات الغذاء والطاقة

وفي خطاب منفصل آخر، شدد برابوو على أن أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا يمتلك إمدادات كافية ومؤمنة من الغذاء والطاقة، موجهاً انتقادات لاذعة لأولئك الذين اعتبروا أن تراجع الروبية يعد مؤشراً على ضعف أو انهيار الاقتصاد المحلي، قائلاً: «العديد من الدول تعيش حالة من الذعر حالياً، لكن إندونيسيا لا تزال في وضع جيد».

يذكر أن الحكومة الإندونيسية قامت بالفعل برفع ميزانية دعم الوقود المحلي بشكل ملحوظ، في خطوة تستهدف حماية المواطنين والمستهلكين من الآثار التضخمية المباشرة الناتجة عن اشتعال أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية بسبب التوترات الجيوسياسية.