الأرباح التشغيلية تقود شركات البتروكيميائيات السعودية لقفزة تاريخية بـ111 %

نمت 5 أضعاف لتصل إلى 548 مليون دولار في الربع الأول

موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
TT

الأرباح التشغيلية تقود شركات البتروكيميائيات السعودية لقفزة تاريخية بـ111 %

موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)
موقع «سابك» للتصنيع في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)

حقق قطاع البتروكيميائيات المدرج في السوق المالية السعودية (تداول) قفزة نوعية في أدائه المالي خلال الربع الأول من عام 2026. وجاء هذا الأداء مدفوعاً بنمو استثنائي في الكفاءة التشغيلية، ليقفز صافي أرباح القطاع بنسبة 111.75 في المائة متجاوزاً 92.57 مليون دولار (374.36 مليون ريال).

يعكس هذا التحول نجاح الشركات الكبرى في التكيف مع المتغيرات العالمية؛ إذ تضاعفت الأرباح التشغيلية للقطاع بنحو 5 أضعاف لتصل إلى 548.97 مليون دولار.

وجاء هذا الزخم الاستثنائي مدفوعاً بارتفاع متوسط أسعار البيع لمعظم المنتجات، والانخفاض الملحوظ في المصاريف التشغيلية والإدارية، إلى جانب تحسن الأثر الاستثماري وتراجع التكاليف غير المتكررة التي ضغطت على نتائج العام الماضي.

ومن بين 9 شركات تعمل في مجال البتروكيميائيات مدرجة في «تداول»، حققت 6 منها ربحاً صافياً، وهي: «سابك»، و«سابك للمغذيات»، و«ينساب»، و«المجموعة السعودية»، و«المتقدمة»، و«اللجين»، في حين تكبدت 3 شركات خسائر، وهي: «سبكيم»، و«التصنيع»، و«كيان».

وبحسب إعلاناتها لنتائجها المالية في «السوق المالية السعودية»، حققت «سابك للمغذيات» أعلى أرباح بين شركات القطاع، حيث صعدت أرباحها خلال الربع الأول 2026 إلى 1.23 مليار ريال، وبارتفاع بنسبة 24.57 في المائة، مقارنةً بأرباح 985 مليون ريال في الربع المماثل من العام السابق. وعزت الشركة ارتفاع صافي أرباحها إلى ارتفاع متوسط أسعار البيع لمعظم منتجاتها.

وحلت «المجموعة السعودية» ثانيةً في أعلى صافي أرباح، بتحقيقيها لأرباح بلغت 252 مليون ريال خلال الربع الأول من 2026، مقابل أرباحها خلال الربع المماثل من العام السابق والتي بلغت 18 مليون ريال، ولتقفز نسبة نمو أرباحها إلى 1300 في المائة. وأشارت الشركة إلى أن ارتفاع أرباحها جاء نتيجة الارتفاع الملحوظ لحصة المجموعة في صافي أرباح شركاتها المدارة بصورة مشتركة، نتيجة تحسن استثنائي في أسعار بيع المنتجات، وانخفاض مصروف الإهلاك بسبب إعادة تقييم العمر الافتراضي للأصول الثابتة.

في حين، جاءت «المتقدمة»، ثالثةً في أعلى صافي ربحية بين الشركات الرابحة، رغم تراجع أرباحها بنسبة 58.33 في المائة، بعد أن سجلت صافي ربح بلغ 30 مليون ريال في الربع الأول لعام 2026، مقابل أرباح بلغت 72 مليون ريال في العام السابق. وعزت الشركة انخفاض أرباحها إلى تسجيل مصاريف الاستهلاك، والتكاليف الثابتة وتكاليف التمويل في قائمة الدخل نتيجة البدء بالأعمال التشغيلية للشركة المتقدمة للبولي أوليفينات للصناعة.

وشهد الربع الأول ارتفاع إجمالي الأرباح التشغيلية لشركات البتروكيميائيات بنحو 5 أضعاف وبنسبة وصلت إلى 492 في المائة، لتصل إلى 548.97 مليون دولار (2.06 مليار ريال)، مقابل ربح تشغيلي بلغ 92.62 مليون دولار (347.56 مليون ريال) خلال الفترة نفسها من 2025، بارتفاع نسبته 492 في المائة.

«سابك» في صدارة الأرباح التشغيلية

وجاءت «سابك» في الصدارة من حيث الأرباح التشغيلية، بربح تشغيلي بلغ 1.4 مليار ريال خلال الربع الأول من العام الحالي، وبنسبة نمو تجاوزت 383 في المائة. وحلّت «سابك للمغذيات» ثانيةً بأرباح تشغيلية بلغت 1.17 مليار ريال، وبارتفاع وصلت نسبته إلى 36.29 في المائة. بينما جاءت «المجموعة السعودية» ثالثةً بأرباح تشغيلية بلغت 252 مليون ريال خلال الربع الأول، ولتحقق قفزة كبيرة في نمو أرباحها التشغيلية وصلت إلى نسبة 1160 في المائة.

مبنى سابك في الجبيل (موقع الشركة الإلكتروني)

وفي تعليق على النتائج الربعية، قال محلل الأسواق المالية وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية، الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع البتروكيميائيات شهد خلال الربع الأول تحولاً لافتاً في الأداء المالي، وأن الشركات الكبرى نجحت في استعادة جزء مهم من زخم الربحية، مدفوعة بتحسن أسعار المنتجات، وارتفاع كفاءة التشغيل، وتراجع بعض الضغوط الاستثنائية التي أثقلت النتائج خلال العام الماضي.

وأشار إلى أن هذه القفزة القوية في الأرباح تعود إلى عدة عوامل رئيسية، في مقدمتها، تحسن متوسط أسعار بيع عدد من المنتجات البتروكيميائية والأسمدة، خصوصاً لدى «سابك للمغذيات الزراعية» التي استفادت من قوة الطلب العالمي واستقرار أسواق الأسمدة، مما انعكس مباشرة على هوامش الربحية رغم تراجع بعض الكميات المباعة. كما لعب انخفاض المصروفات التشغيلية دوراً محورياً في تعزيز النتائج، خاصة لدى «سابك» التي عادت إلى الربحية بعد تراجع التكاليف غير المتكررة، إلى جانب خفض المصروفات الإدارية والبحثية، وهو ما أعاد التوازن لأكبر شركة بتروكيماويات في المنطقة بعد فترة من الضغوط.

وشرح أن «المجموعة السعودية للاستثمار الصناعي» استفادت من التحسن الاستثنائي في أسعار المنتجات وارتفاع مساهمة الشركات المشتركة، إضافة إلى انخفاض مصروفات الإهلاك، لتسجل واحدة من أقوى القفزات الربحية في القطاع. كما واجهت بعض شركات القطاع مثل «كيان السعودية» و«التصنيع الوطنية»، استمرار عدد من التحديات، رغم تقليص خسائرها وهو ما يعكس بداية تحسن تدريجي في البيئة التشغيلية، خصوصاً مع انخفاض تكاليف بعض مدخلات الإنتاج وعودة المصانع للعمل بعد فترات الصيانة والتوسعات.

أحد مصانع «ناتبت» التابعة لشركة «اللجين» (موقع الشركة الإلكتروني)

ويرى الخالدي أن القطاع مقبل على مرحلة أكثر استقراراً مقارنة بعامي 2024 و2025، وزيادةً في مستوى الأرباح مدعوماً بتحسن الطلب الصناعي العالمي، وعودة النشاط الاقتصادي في عدد من الأسواق الكبرى، إضافة إلى استمرار المشروعات السعودية المرتبطة بالصناعة والتحول الاقتصادي، مضيفاً أن أي تحسن إضافي في أسعار النفط والطاقة سيدعم هوامش الربحية لشركات البتروكيميائيات، في وقت تركز فيه الشركات على رفع الكفاءة التشغيلية، وتقليل التكاليف، والتوسع في المنتجات ذات القيمة المضافة الأعلى.

ورأى بن المرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى التعافي التدريجي الذكي لشركات قطاع البتروكيميائيات أكثر من كونها طفرة مؤقتة، وهو ما قد يمنح القطاع قدرة أكبر على تحقيق نتائج مالية أكثر توازناً واستدامة خلال الأرباع القادمة من 2026.

تحسن انتقائي

من جانبه، يرى الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد»، محمد حمدي عمر، خلال تصريح له لـ«الشرق الأوسط»، أن النتائج المالية لشركات القطاع تحسنت بشكل انتقائي وليست بشكل متجانس، معللاً ذلك بأن الشركات المرتبطة بمنتجات قوية التسعير أو بعوامل تشغيلية أفضل حققت نتائج أعلى، بينما بقيت الشركات ذات التكاليف الثابتة المرتفعة أو المتأثرة بالصيانة والتوسعات تحت الضغط، ودلل على ذلك باستفادة «سابك للمغذيات الزراعية» من ارتفاع متوسط أسعار البيع لمعظم منتجاتها، رغم تراجع الكميات المباعة وبعض أثر المشروعات المشتركة، مما يعني أن التسعير كان أهم من الحجم في دعم الربح.

مبنى «كيان السعودية» (موقع الشركة الإلكتروني)

وزاد بأن «المجموعة السعودية» حققت قفزة كبيرة بسبب تحسن حصة الأرباح من الشركات المدارة بصورة مشتركة، إلى جانب انخفاض مصروف الإهلاك بعد إعادة تقييم العمر الافتراضي للأصول، وهو ما عزَّز صافي الربح بصورة واضحة.

أضاف أن عودة «سابك» للربحية تبدو مدفوعة بدرجة كبيرة بانخفاض المصاريف غير المتكررة التي أثقلت نتائج فترة المقارنة من العام السابق، إضافة إلى تراجع المصروفات العمومية والبحث والتطوير.

وأرجع عمر أسباب نمو أرباح شركات القطاع إلى 3 أسباب، تتمثل في تحسن أسعار البيع لعدد من المنتجات، خصوصاً لدى «سابك للمغذيات الزراعية»، وهذا عادة يكون العامل الأكثر تأثيراً في شركات البتروكيميائيات عندما تكون الأسواق العالمية أكثر دعماً للأسعار، والسبب الثاني هو تحسن الأثر التشغيلي والاستثماري لدى بعض الشركات، مثل انخفاض الإهلاك أو تحسن نتائج الشركات الشقيقة والمشاريع المشتركة، كما ظهر في «المجموعة السعودية»، بينما عزا السبب الثالث إلى تراجع بعض التكاليف غير المتكررة، وهو ما استفادت منه «سابك» بشكل أساسي عند المقارنة مع الربع الأول 2025.

جناح «سبكيم» في أحد المؤتمرات (موقع الشركة الإلكتروني)

وأوضح أن الشركات التي سجلت خسائر واجهت ضغطاً من انخفاض الكميات المباعة، وتراجع الأسعار، وارتفاع مصروفات التمويل، وأعباء الصيانة أو التوسعة، كما حدث في «التصنيع الوطنية» و«كيان السعودية».

ويتوقع عمر أن يبقى قطاع البتروكيميائيات خلال الفصول المقبلة حساساً جداً لحركة الأسعار العالمية للبتروكيميائيات والأسمدة والطاقة، «لذلك قد تستمر التذبذبات بين شركة وأخرى، حتى لو ظل الاتجاه العام إيجابياً»، وأن تبقى الشركات الأقوى من حيث التسعير والكفاءة، مثل «سابك للمغذيات الزراعية»، الأقدر على الحفاظ على هوامش جيدة إذا استمرت ظروف السوق الداعمة، بينما ستحتاج الشركات الخاسرة إلى وقت أطول حتى ينعكس أثر خفض التكاليف واستكمال المشروعات والتوسعات.

أحد مصانع «ينساب» (موقع الشركة الإلكتروني)

ورأى أن شركة «سابك» ستظل عنصراً مهماً في اتجاه القطاع، لكن استدامة ربحيتها ستعتمد على تقليص البنود غير المتكررة وتحسن الدورة الصناعية العالمية أكثر من اعتمادها على عنصر واحد، معتبراً أن القطاع يدخل مرحلة تحسن في الجودة التشغيلية أكثر من كونه مجرد تعافٍ دوري سريع، لكن استدامة هذا التحسن ستبقى مرهونة بالأسعار، والطلب العالمي، وانضباط المصروفات الرأسمالية والتشغيلية.


مقالات ذات صلة

سعر الديزل في ألمانيا يقل عن سعر البنزين لأول مرة منذ بداية مارس

الاقتصاد مضخات وقود في إحدى المحطات ببرلين (رويترز)

سعر الديزل في ألمانيا يقل عن سعر البنزين لأول مرة منذ بداية مارس

لأول مرة منذ بداية مارس الماضي، عاد سعر الديزل في ألمانيا مرة أخرى إلى مستوى أقل من سعر البنزين فئة «إي 10»، وهو نوع البنزين الشائع والأرخص سعراً.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
الاقتصاد ناقلة نفط خام راسية بمحطة كوزمينو بخليج ناخودكا في روسيا (رويترز)

انتهاء مهلة تخفيف العقوبات الأميركية على النفط الروسي

انتهت صلاحية الإعفاء الذي سمحت الولايات المتحدة بموجبه بتخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي، وسط ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيسة الفنزويلية بالإنابة ديلسي رودريغيز تتحدث إلى الصحافيين (أ.ف.ب)

وفد من البنك الدولي يزور فنزويلا

زار فريق من خبراء البنك الدولي فنزويلا للمرة الأولى منذ جددت كاراكاس والهيئة المصرفية التي تتخذ في واشنطن مقراً، العلاقات في أبريل، وفق ما أعلن البنك الدولي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد وزير النفط العراقي الجديد خلال مؤتمره الصحافي الأول بعد تسلمه مهام عمله (إكس)

العراق يصدر 10 ملايين برميل من النفط عبر مضيق هرمز في أبريل

قال وزير النفط العراقي الجديد، باسم محمد خضير، إن العراق صدر 10 ملايين برميل من النفط عبر مضيق هرمز في أبريل، بانخفاض عن 93 مليون برميل شهرياً قبل حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد كيفين وارش (رويترز)

وارش يواجه صراع الاستقلالية وأزمة «هرمز» في أول أيام قيادة «الفيدرالي»

يتسلم الرئيس الجديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش رسمياً يوم الاثنين القيادة التنفيذية لأهم بنك مركزي في العالم وسط حقل ألغام اقتصادي وسياسي معقد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«سامسونغ» تسبق الزمن لتفادي إضراب يهدد طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية

رئيس مجلس إدارة «سامسونغ» جاي واي لي ينحني معتذراً عن نزاع العمال في الشركة (رويترز)
رئيس مجلس إدارة «سامسونغ» جاي واي لي ينحني معتذراً عن نزاع العمال في الشركة (رويترز)
TT

«سامسونغ» تسبق الزمن لتفادي إضراب يهدد طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية

رئيس مجلس إدارة «سامسونغ» جاي واي لي ينحني معتذراً عن نزاع العمال في الشركة (رويترز)
رئيس مجلس إدارة «سامسونغ» جاي واي لي ينحني معتذراً عن نزاع العمال في الشركة (رويترز)

تتجه الأنظار صوب العاصمة الكورية الجنوبية سيول، يوم الاثنين، حيث يعقد عملاق التكنولوجيا «سامسونغ إلكترونيكس» والاتحاد العمالي الممثل لموظفيه اجتماعاً حاسماً، يوصف بأنه «الفرصة الأخيرة» لنزع فتيل أزمة إضراب مرتقب، يهدِّد بوقف شريان الحياة عن قطاع الرقائق العالمي.

وتأتي هذه المفاوضات المصيرية بعدما وجَّه رئيس الوزراء الكوري الجنوبي، كيم مين-سيوك، خطاباً عاجلاً إلى الأمة، حذر فيه من تداعيات كارثية وغير متوقعة على الاقتصاد الوطني في حال فشل الطرفين في التوصُّل إلى اتفاق قبل المهلة النهائية المحددة في 21 مايو (أيار) الحالي، والتي يعتزم بعدها نحو 45 ألف عامل تنظيم إضراب شامل عن العمل لمدة 18 يوماً.

تحذيرات حكومية

عكست التصريحات الرسمية المسؤولة حالة الذعر الصامت في أروقة صنع القرار السياسي في كوريا؛ إذ تشير التقديرات الحكومية إلى أنَّ توقف مصانع رقائق «سامسونغ» سيكلف الاقتصاد خسائر مباشرة تصل إلى تريليون وون (نحو 668 مليون دولار) عن كل يوم إضراب.

وفي تحول لافت يعكس خطورة الموقف، لوَّح رئيس الوزراء كيم مين-سيوك، للمرة الأولى، باحتمالية لجوء الحكومة إلى «الصلاحيات والاستثناءات القانونية الطارئة»؛ لمنع الإضراب وحماية الاقتصاد الوطني في حال انهيار المفاوضات، مؤكداً أنَّ الدولة ستتخذ التدابير المتاحة كافة للحيلولة دون شلل هذا القطاع الحيوي.

وفي محاولة لتهدئة الأجواء المحتقنة، قدَّم رئيس مجلس إدارة «سامسونغ»، جاي واي لي، اعتذاراً علنياً نادراً فور عودته من رحلة خارجية، داعياً العمال إلى التكاتف، قائلاً: «أعضاء الاتحاد العمالي وعائلة سامسونغ، نحن جسد واحد وعائلة واحدة، وعلينا جمع نقاط قوتنا بحكمة للتحرك في اتجاه واحد».

أعضاء نقابة عمال شركة «سامسونغ» يهتفون بشعارات خلال احتجاج على مستويات تعويضات الشركة في 23 أبريل (رويترز)

أرباح الذكاء الاصطناعي

تأتي هذه الاضطرابات العمالية في وقت تشهد فيه أرباح قطاع أشباه الموصلات في «سامسونغ» قفزةً صاروخيةً، مدفوعةً بالطلب العالمي الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتتمحور نقطة الخلاف الجوهرية حول رغبة العمال في ربط جهودهم بهذه الطفرة وتعديل هيكل الأجور بشكل دائم، ويتلخص المشهد التفاوضي في نقطتين:

  • مطالب الاتحاد العمالي: يطالب الاتحاد بتخصيص 15 في المائة من الأرباح التشغيلية السنوية حوافز ومكافآت للموظفين، وإلغاء الحد الأقصى الحالي للمكافآت (الذي يقف عند 50 في المائة من الراتب الأساسي)، إلى جانب إقرار زيادة عامة في الأجور بنسبة 7 في المائة، وتثبيت هذه البنود قانونياً في عقود العمل.
  • عرض إدارة «سامسونغ»: اقترحت الإدارة تخصيص نحو 13 في المائة (بعدما بدأت بعرض 10 في المائة) من الأرباح التشغيلية، ولكن في صورة «حزمة تعويضات استثنائية تُمنَح لمرة واحدة فقط» لعام 2026، مع رفض إجراء تغييرات هيكلية دائمة في العُقود، بدعوى أنَّ مطالب الاتحاد يصعب استدامتها ماليّاً على المدى الطويل.

ويستند العمال في ضغوطهم إلى المقارنة مع غريمهم التقليدي شركة «إس كي هاينكس»، التي سوَّت نزاعها العمالي عبر تخصيص 10 في المائة من أرباحها التشغيلية السنوية حوافز لموظفيها على مدى العقد المقبل دون قيود، مما أدى إلى هجرة نحو 200 مهندس وموظف من «سامسونغ» إلى «هاينكس» خلال الأشهر الـ4 الماضية فقط؛ بسبب تدني الحوافز في «سامسونغ» خلال فترة الركود السابقة.

نقطة الاختناق الأخطر في سلاسل الإمداد

لا تقتصر أبعاد هذا الإضراب على الحدود الكورية، بل تمتد لتضرب عمق قطاع التكنولوجيا العالمي؛ فبينما يتركز الاهتمام العالمي عادة على وحدات معالجة الرسومات من شركة «إنفيديا»، فإنَّ هذه الوحدات تصبح بلا قيمة دون رقائق الذاكرة العشوائية عالية النطاق (HBM) وذاكرة الوصول العشوائي المتطورة (DRAM) التي تصنعها «سامسونغ».

وتستحوذ «سامسونغ» بمفردها على نحو ثلث السوق العالمية لذاكرة الـ«DRAM»، وتسيطر بالتعاون مع «إس كي هاينكس» على ثلثي السوق العالمية، وهما يمثلان مع شركة «ميكرون» الأميركية الثلاثي الوحيد في العالم القادر على إنتاج ذاكرة الذكاء الاصطناعي المتطورة.

ووفقاً للبيانات، تمتلك «سامسونغ» 12 خط إنتاج عملاقاً، وتستثمر 73 مليار دولار في البحث والتطوير هذا العام وحده (أكبر استثمار منفرد في تاريخ صناعة الرقائق). وبالتالي، فإنَّ خروج 45 ألف عامل في إضراب لمدة 18 يوماً سيمثل أكبر توقف عن العمل في تاريخ صناعة أشباه الموصلات، وفي أكثر النقاط حرجاً لطفرة الذكاء الاصطناعي.

علم يحمل شعار شركة «سامسونغ للإلكترونيات» يرفرف فوق مبنى الشركة في سيول (رويترز)

خسائر فلكية محتملة

وتتحسَّب شركة «سامسونغ» للسيناريو الأسوأ؛ إذ أظهر إضراب تجريبي رمزي ليوم واحد في وقت سابق تراجع إنتاج مسبك أشباه المواصلات بنسبة 58 في المائة، وإنتاج الذاكرة بنسبة 18 في المائة خلال تلك الوردية المحددة.

أما في حال تنفيذ الإضراب الكامل لمدة 18 يوماً، فإنَّ تقديرات الصناعة تشير إلى احتمالية تكبد خسائر تتراوح بين 30 و100 تريليون وون. ونتيجة لذلك، بدأت الشركة بالفعل في إجراءات «التبريد التدريجي» لحجم الإنتاج، وتقليل إدخال رقاقات السيليكون (Wafers)، نظراً لأن إيقاف تصنيع الرقائق في منتصف العملية يعني إتلاف رقاقات، تكلف الواحدة منها 20 ألف دولار.

سباق التنافسية

يأتي خطر الإضراب في وقت حساس للغاية لـ«سامسونغ» التي تكافح لاستعادة ريادتها الكاملة؛ ففي الرُّبع الأول من العام الماضي، انتزعت «إس كي هاينكس» صدارة سوق الـ«DRAM» عالمياً للمرة الأولى منذ 33 عاماً بفضل هيمنتها على ذاكرة الذكاء الاصطناعي، واستحوذت على 62 في المائة من سوق «HBM» مقابل 17 في المائة فقط لـ«سامسونغ» التي عانت رقاقاتها «HBM3E» لاجتياز اختبارات الجودة الفنية لشركة «إنفيديا».

ورغم أنَّ «سامسونغ» نجحت في استعادة الصدارة في أواخر عام 2025 بعد بدء شحن رقاقاتها لـ«إنفيديا»، ونجاح الجيل الجديد (HBM4) الذي بدأ إنتاجه التجاري في فبراير (شباط) الماضي وبيعت حصته الإنتاجية لعام 2026 بالكامل، فإنَّ الإضراب قد يجهض مسار هذا التعافي ويمنح الأفضلية للمنافسين.

من الناحية المالية، يُقدِّر المحللون في «جي بي مورغان» أنَّه في حال تلبية مطالب الاتحاد بالكامل، فإنَّ الأرباح التشغيلية لـ«سامسونغ» لعام 2026 ستتراجع بنسبة تتراوح بين 7 في المائة و12 في المائة؛ نتيجة ارتفاع التكاليف العمالية، بالإضافة إلى خسارة في الإيرادات تصل إلى 4 تريليونات وون جراء توقف الإنتاج.

وتتزامن هذه الضغوط مع استغلال «سامسونغ» للطلب المرتفع لفرض شروطها في الأسواق؛ حيث كشفت تقارير عن أن الشركة طالبت شركة «أبل» بزيادة سعرية تصل إلى 100 في المائة لتأمين رقائق الذاكرة لهواتف «آيفون 17» المقابلة، وهو الطلب الذي وافقت عليه «أبل» فوراً لتأمين احتياجاتها، مما يعكس مدى التنافس الشديد، وحاجة السوق الماسة لإنتاج «سامسونغ» الذي يهدِّده الإضراب الحالي.


سعر الديزل في ألمانيا يقل عن سعر البنزين لأول مرة منذ بداية مارس

مضخات وقود في إحدى المحطات ببرلين (رويترز)
مضخات وقود في إحدى المحطات ببرلين (رويترز)
TT

سعر الديزل في ألمانيا يقل عن سعر البنزين لأول مرة منذ بداية مارس

مضخات وقود في إحدى المحطات ببرلين (رويترز)
مضخات وقود في إحدى المحطات ببرلين (رويترز)

لأول مرة منذ بداية مارس (آذار) الماضي، عاد سعر الديزل في ألمانيا مرة أخرى إلى مستوى أقل من سعر البنزين فئة «إي 10»، وهو نوع البنزين الشائع والأرخص سعراً، وذلك حسبما أعلن نادي السيارات «إيه دي إيه سي» في ميونيخ يوم الأحد.

وأوضح النادي أن متوسط السعر اليومي للتر الديزل على مستوى ألمانيا وصل إلى 1.990 يورو يوم السبت بتراجع بمقدار 0.9 سنت مقابل سعره يوم الجمعة، في حين بقي متوسط السعر اليومي للتر البنزين «إي 10» دون تغيير عند 1.994 يورو.

وفي بداية أبريل (نيسان) الماضي، أي في الفترة التي سجَّلت فيها أسعار الوقود أعلى مستوياتها، كان الديزل أغلى مؤقتا بأكثر من 25 سنتاً من بنزين «إي10»، رغم أن الضرائب المفروضة عليه أقل.

ومنذ ذلك الحين، انخفض سعر الديزل بأكثر من 45 سنتاً للتر الواحد، بينما تراجع سعر بنزين «إي10» بنحو 20 سنتاً فقط.

ويلعب دعم الوقود دورا في هذا الانخفاض، لكنه لم يغير بشكل مباشر الفارق السعري بين الديزل وبنزين «إي 10»، إذ يبلغ مقدار التخفيض في كلا النوعين 16.7 سنت لكل لتر.


«مضاربات محمومة»: هل تعيد «وول ستريت» استنساخ «فقاعة دوت كوم» المرعبة؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«مضاربات محمومة»: هل تعيد «وول ستريت» استنساخ «فقاعة دوت كوم» المرعبة؟

متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ب)

تسيطر حالة من التوجُّس والترقُّب على أروقة أسواق المال العالمية، في وقت تتدفَّق فيه سيولة نارية غير مسبوقة نحو قطاع التكنولوجيا، مدفوعةً بهوس طفرة الذكاء الاصطناعي.

هذا الصعود الصاروخي الذي يبدو كأنَّه لا يعرف التوقُّف، بات يثير مخاوف حقيقية لدى كبار المحللين والخبراء الذين بدأوا يحذِّرون علناً من أنَّ المشهد الحالي بات يحاكي، إلى حدِّ التطابق، أواخر تسعينات القرن الماضي؛ الحقبة الشهيرة التي سبقت انفجار «فقاعة دوت كوم» التي هزَّت الاقتصاد العالمي.

بين التفاؤل المفرط بتحقيق أرباح خيالية، والتحذيرات المقبلة من «الدببة» المحنكين في «وول ستريت»، يطرح المستثمرون السؤال المليون: هل يضغط قطار الذكاء الاصطناعي على مكابحه قريباً؟ وإذا فعل، فما حجم الدمار الاقتصادي الذي سيخلفه وراءه؟

\"\"
لافتة «وول ستريت» في بورصة نيويورك بمانهاتن (رويترز)

تركيز مرعب للسيولة

تكمن الأزمة الحقيقية في السوق اليوم في مشكلة «التركيز الشديد»؛ حيث لا يعكس الارتفاع القياسي للمؤشرات عافيةً شاملةً للاقتصاد، بل يرجع الفضل فيه إلى حفنة صغيرة من الشركات العملاقة.

وتشير البيانات الإحصائية إلى أنَّ مؤشر «فيلادلفيا لأشباه الموصلات» قفز بنسبة هائلة بلغت 70 في المائة في غضون شهرين فقط - بين مارس (آذار) ومنتصف مايو (أيار) 2026 - في حين ارتفع مؤشر «ناسداك» المثقل بأسهم التكنولوجيا بنحو 20 في المائة، وفق موقع «ياهو فاينانس».

ووفقاً لتقرير صادر عن بنك «يو بي إس»، فإنَّ 5 شركات تكنولوجية كبرى فقط وهي: «إنفيديا»، و«ألفابت»، و«أمازون»، و«برودكوم»، و«أبل»، كانت مسؤولة وحدها عن نصف مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بأكمله في الآونة الأخيرة.

والأخطر من ذلك، أنَّ 10 شركات فقط باتت تستحوذ على 40 في المائة من الوزن النسبي لهذا المؤشر، وجميعها شركات قيادية في مجال الذكاء الاصطناعي باستثناء شركة «بيركشاير هاثاواي» المملوكة للملياردير وارن بافيت.

مفارقة رقمية

في الوقت الذي يسجِّل فيه مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مستويات قياسية غير مسبوقة، فإنَّ 5 في المائة من الشركات المدرجة فيه تقبع عند أدنى مستوياتها خلال 52 أسبوعاً. هذا التباين يعكس بوضوح أنَّ الشركات التي لم تشارك في «حفلة الذكاء الاصطناعي» قد تُرِكت تعاني في الظل.

\"\"
حرفا «AI» على شاشة حاسوب محمول بجوار شعار «جيميني» التابع لشركة «غوغل» على شاشة جوال ذكي في فرانكفورت (أ.ف.ب)

«أجواء المراهنة المالية»

هذه الطفرة أحادية الجانب دفعت مسؤولي الصناديق الاستثمارية إلى التعبير عن قلقهم بعبارات حادة. إيمانويل كاو، المحلل في بنك «باركليز»، أشار إلى أنَّ استمرار هذا الارتفاع الصاروخي للأسهم يصعب تبريره، خصوصاً مع تجاهل السوق للمخاطر الجيوسياسية الراهنة، مثل تداعيات الحرب الإيرانية، وارتفاع أسعار النفط.

من جانبه، كان مارك هوتين، رئيس تداول الأسهم العالمي في «ليون ترست لإدارة الأصول»، أكثر صراحةً، ووصف ما يحدث لأسهم أشباه الموصلات بأنَّه «يشبه أجواء الكازينو»، مؤكداً أنَّ هذه التقييمات الحالية تفتقر إلى العقلانية والاستدامة على المدى الطويل.

ومع وصول الأسعار إلى هذه المستويات الفلكية، عادت المقارنات التاريخية بفقاعة عام 2000 لتفرض نفسها بقوة.

وفي هذا السياق، نشر بنك «بي أن بي باريبا» دراسة قارنت مسار مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الحالي بمساره بدءاً من عام 1996. وكشفت الرسوم البيانية عن تطابق مخيف في المنحنيات. كما لفتت الدراسة الانتباه إلى تضخم مكررات الربحية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بحجم الديون الهائل المُستخدَم لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهو ما يعيد إلى الأذهان التوسُّع المالي القائم على الديون لشركات الاتصالات قبيل انهيار عام 2000.

مايكل بوري يتدخل

وسط هذا الصخب، برز صوت المستثمر الشهير مايكل بوري، الذي توقَّع بدقة متناهية انهيار سوق العقارات الأميركية، والأزمة المالية العالمية عام 2008 وصُنع عنه الفيلم الشهير «The Big Short». فقد وجّه بوري عبر منصته في «سبستاك» رسائل تحذيرية شديدة اللهجة للمستثمرين، داعياً إياهم إلى «رفض الجشع» وتقليص مراكزهم المالية فوراً.

وكتب بوري: «بالنسبة لأي أسهم تتحرَّك بشكل عمودي متسارع، قوموا بتخفيض مراكزكم فيها بالكامل تقريباً... السوق لا ترتفع بسبب الوظائف أو ثقة المستهلك، بل ترتفع لمجرد أنَّها كانت ترتفع بالأمس، وبناءً على أطروحة من حرفين (AI) يعتقد الجميع خطأً أنهم يفهمونها».

ورغم سوداوية المشهد، فإنَّ بوري يرى أنَّ اللجوء إلى استراتيجية «البيع على المكشوف» والمراهنة على هبوط أسهم التكنولوجيا في الوقت الحالي ينطوي على مخاطرة كبيرة ومكلفة، وقد يسبب ألماً مالياً كبيراً للمستثمرين؛ بسبب الزخم الشرائي الحالي الذي قد يستمر لفترة أطول من المتوقع.

وبدلاً من ذلك، نصح بوري باستراتيجية بديلة: «الفكرة هي تسييل الأصول، ورفع مستويات الكاش (النقد)، والاستعداد لضخ هذه الأموال مجدداً عندما تعود الأسعار إلى مستويات منطقية وعقلانية».

\"\"
حرفا «AI» على شاشة حاسوب محمول بجوار شعار «غروك» التابع لشركة «سبايس إكس» على شاشة جوال ذكي في فرانكفورت (أ.ف.ب)

هل نحن في عام 1996 أم 2000؟

تؤكد البيانات الفنية أنَّ الخطر حقيقي، وفق «ياهو فايناناس»؛ فقد كشفت مجموعة «بسبوك الاستثمارية» عن أنَّ أسهم الرقائق تداولت مؤخراً بأعلى من متوسط حركتها في 50 يوماً بنسبة 33 في المائة، وهو مستوى لم يتكرَّر سوى 3 مرات تاريخياً: ديسمبر (كانون الأول) 1998، ومارس 2000، ونوفمبر (تشرين الثاني) 2002. كما أطلق مؤشر أشباه الموصلات إشارة تحذير لم تتكرَّر إلا في أعوام 1996 و2000 و2022 وفقاً لجيف ديغراف، الرئيس التنفيذي لشركة «رينيسانس ماكرو».

لكن، يظلُّ السؤال الجوهري معلقاً: في أي محطة قطار نقف الآن؟ هل نحن في عام 1996 في بدايات الطفرة التكنولوجية التي استمرت سنوات أخرى من الصعود، أم نحن في عام 2000 خلال ذروة الفقاعة التي تلاها الانهيار الكامل، أم في عام 2022 أي تمهيد لتراجع تصحيحي مؤقت بحدود 30 في المائة؟

ينصح ديغراف المستثمرين بعدم التسرُّع في البيع لمجرد الخوف من الفقاعة، قائلاً: «القمم لا ترن جرساً عندما تصل إلى حدها الأقصى، والقرار الصائب هو الانتظار حتى يظهر التدهور الفعلي في المؤشرات، والبيع في أثناء الهبوط وليس في أثناء الصعود».

حكمة التاريخ لأسواق اليوم

تاريخ الأسواق المالية يثبت أن «وول ستريت» مغرمة دائماً «بالمبالغة في تسعير المستقبل». وتظهر دراسة تاريخية نُشرت في مجلة «Marketing Science» شملت 51 ابتكاراً رئيسياً بين عامَي 1825 و2000، أنَّ الفقاعات السعرية تشكَّلت في 37 ابتكاراً منها؛ أي بنسبة 73 في المائة.

وتشمل القائمة كل ما أصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية: السكك الحديدية، والسيارات، والطائرات، والراديو، والتلفزيون، والميكروويف، والهواتف الجوالة، والإنترنت، وحتى أقلام الحبر الجاف!

وتشير هذه القراءة التاريخية إلى أنَّ الأسواق تخطئ دائماً في تقييم القيمة الحالية للتكنولوجيا الثورية في بداياتها نظراً لتعقد سلاسل القيمة المرتبطة بها؛ فالرقائق تصنع النماذج، والنماذج تنتج برمجيات، والبرمجيات تخلق الأتمتة، والأتمتة تولد نماذج أعمال جديدة. وعندما يحاول المستثمرون تسعير هذه السلسلة بأكملها دفعة واحدة، تتحول التوقعات إلى ما يشبه قصص الخيال العلمي.

ومع ذلك، هناك نقطة جوهرية تدعو للتفاؤل الحذر تفرق بين اليوم وعام 2000: شركات التكنولوجيا العملاقة اليوم التي تقود الطفرة مثل «إنفيديا»، و«مايكروسوفت» تمتلك أرباحاً حقيقية وتدفقات نقدية ضخمة ومستويات ربحية قياسية بناءً على نتائج الرُّبع الحالي؛ إذ حقَّقت 85 في المائة من شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» أرباحاً فاقت التوقعات، على عكس شركات «دوت كوم» في التسعينات التي كانت مجرد أفكار على ورق دون أي دخل حقيقي.

\"\"
زائر يرتدي نظارات الواقع الافتراضي في مهرجان كان العالمي للذكاء الاصطناعي (أرشيفية - رويترز)

وبين قناعة الأسواق بقدرة الذكاء الاصطناعي على إعادة صياغة الاقتصاد العالمي، وتحذيرات «الدببة» من انتفاخ الفقاعة، يظل الفيصل الراهن هو مدى قدرة هذه الطفرة على الصمود أمام التحديات الجيوسياسية المتصاعدة وضغوط التضخم. فبينما نجحت أسهم التكنولوجيا في عزل نفسها مؤقتاً عن تداعيات أسواق النفط والتوترات الدولية، فإن طي هذه الصفحة دون تصحيح سعري عنيف سيتطلب توافقاً نادراً بين نمو الأرباح الحقيقية واستقرار البيئة الاقتصادية الكلية؛ وهو رهان تاريخي تترقب «وول ستريت» فصوله الأخيرة بكثير من الحذر.