«الهروب إلى الاستقرار» ينعش عقارات السعودية

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: هجرة رؤوس الأموال نحو الأمان كرّست مكانة المملكة وجهة استثمارية لا بديل عنها

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

«الهروب إلى الاستقرار» ينعش عقارات السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

في وقت تعيد فيه الاضطرابات الجيوسياسية رسم خريطة الاستثمارات الإقليمية، برزت السعودية بوصفها «قلعة للاستقرار»، وملاذاً آمناً لرؤوس الأموال. وأكد مختصون لـ«الشرق الأوسط» أنَّ قطاع العقارات السعودي كان الرابح الأكبر في ظلِّ هذه التحولات، حيث سجَّل نمواً استثنائياً تراوح بين 20 و30 في المائة. ويرى الخبراء أنَّ هذا الانتعاش لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتاجاً لمصدات مالية متينة وبرامج هيكلية طموحة ضمن «رؤية 2030»، والتي أثبتت كفاءةً فائقةً في امتصاص الصدمات الخارجية، وتحويل التحديات الإقليمية إلى محركات نمو مستدامة.

ومن المفارقات الاقتصادية، أنَّ الصراع الإقليمي الراهن كشف عن جاذبية السعودية بوصفها وجهةً استثماريةً محصنةً ببرامج حكومية مرنة قادرة على التكيُّف مع مختلف المتغيرات.

وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على انتعاش السوق العقارية، التي استفادت من تدفق حركة السكان والمستثمرين من الدول المتأثرة بالأزمات؛ مما أدى إلى طفرة ملحوظة في إشغال الوحدات السكنية والفندقية، ونمو حركة المسافرين والفاعلين الاقتصاديين نحو المملكة.

وعلى الرغم من الضغوط التي فرضتها الحرب على أسواق الطاقة والسلع الأساسية وسلاسل الإمداد عالمياً، فإن قطاع العقارات في السعودية غرد خارج السرب بتأثر إيجابي ملموس؛ حيث قفزت عوائد الإيجارات في مختلف أنحاء المملكة بمتوسط تراوح بين 20 في المائة و30 في المائة؛ نتيجة الطلب الفوري والمتنامي. هذا المشهد يعكس بوضوح قدرة الاقتصاد السعودي على توفير بيئة استثمارية مستقرة ومجزية، حتى في أصعب الظروف التي تمرُّ بها المنطقة والعالم.

أثر إيجابي

وقال المستثمر السعودي، محمد المرشد عضو مجلس الغرفة التجارية الصناعية بالرياض، ورئيس اللجنة العقارية بالغرفة سابقاً: «إنَّ تداعيات الحرب الحالية أفرزت أثراً إيجابياً ملحوظاً (قصير الأجل) على الطلب العقاري، خصوصاً الإيجارات في المدن الكبرى (الرياض، وجدة، والشرقية)، لكنه ليس العامل الرئيسي، بقدر ما كان معززاً لاتجاه قائم مسبقاً».

وفسّر المرشد ذلك في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»؛ بسبب تحولات حركة السكان في الدول التي تأثرت بشكل مباشر وأكبر بتداعيات الحرب، حيث أدت الحرب إلى تعطّل الطيران جزئياً وإغلاق بعض المجالات الجوية في الخليج، الأمر الذي دفع مسافرين ومقيمين في دول الخليج للتحرُّك نحو السعودية بوصفها مركزاً أكثر استقراراً نسبياً.

ووفق المرشد، فإنَّ بعض الحالات شملت انتقالاً فعلياً عبر البر إلى الرياض بوصفها محطةً آمنةً للسفر، حيث نتج عن ذلك، طلب فوري على الإيجارات قصيرة الأجل والفنادق، مع ضغط مؤقت على الوحدات السكنية المفروشة، وبالتالي زيادة الطلب من الشركات.

وقال المرشد: «في أوقات عدم الاستقرار الإقليمي، تميل الشركات إلى نقل موظفين إلى بيئات أكثر أماناً، وتعزيز مكاتبها في دول ذات استقرار سياسي واقتصادي أعلى، حيث انعكس ذلك في الاستفادة السعودية؛ بسبب ثقلها الاقتصادي، واستقرارها الأمني النسبي مقارنة ببعض نقاط التوتر في بعض الدول».

ولم تغب آثار التضخم العالمي عن المشهد، حيث يشير المرشد إلى أنَّ زيادة أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين نتيجة الحرب، أدت بالضرورة إلى رفع تكاليف البناء. وبناءً على التقديرات العالمية، أسهمت هذه العوامل في رفع أسعار العقارات بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، مما يعكس تأثر السوق بسلاسل الإمداد العالمية.

وشدَّد المرشد على أنَّ الحرب أسهمت في إنعاش قطاع العقار السعودي، بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة، عازياً ذلك لقدرة برامج «رؤية المملكة 2030»، التي استطاعت أن تمتص أي تداعيات بشكل إيجابي مع اعتبار النمو السكاني للمواطنين والمقيمين، وبالتالي نمو الطلب المحلي.

العقار السعودي «الرابح الأكبر»

يؤيد الدكتور عبد الرحمن باعشن، رئيس «مركز الشروق للدراسات الاقتصادية»، ما ذهب إليه المرشد، مؤكداً أنَّ القطاع العقاري في المملكة خرج بوصفه أبرز المستفيدين من المتغيرات الجيوسياسية الراهنة.

ويرى باعشن أن «السر» يكمن في حصانة الطلب المحلي، الذي ظلَّ متنامياً بفضل عوامل داخلية بحتة، رغم الاضطرابات التي عصفت بقطاعات أخرى في المنطقة.

ولفت باعشن إلى مفارقة اقتصادية مهمة؛ فرغم انخفاض كميات الإمدادات النفطية العالمية؛ بسبب الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، فإن القفزة الكبيرة في أسعار الخام عوَّضت تراجع الصادرات. هذا الارتفاع في «القيمة» أدى إلى زيادة الإيرادات الكلية للدولة، مما ضمن استمرارية الإنفاق الحكومي السخي على المشروعات العقارية الكبرى والبنية التحتية، وهو ما يمثل صمام الأمان الحقيقي للسوق.

المحركات الثلاثة

وحدَّد باعشن 3 عناصر جوهرية حفَّزتها الأزمة الراهنة، وأعطت السوق زخماً إضافياً:

1- طفرة مؤقتة في الطلب: نتيجة حركة السكان والشركات الباحثة عن الاستقرار.

2- تصاعد منطقي للأسعار: مدفوعاً بزيادة تكاليف التنفيذ والخدمات اللوجستية عالمياً.

3- ترسيخ المكانة الاستراتيجية: تعزيز صورة المملكة بوصفها «ملاذاً استثمارياً إقليمياً» لا بديل عنه.

ويخلص باعشن إلى أنَّ العقار السعودي اليوم يعيش حالةً من «التوازن الذكي»؛ فهو مدفوع بقوة الطلب المحلي من جهة، ومدعوم بفرص الطلب الخارجي الناجم عن الأزمات الإقليمية من جهة أخرى.

هذه التركيبة الفريدة تمنح القطاع مرونةً استثنائيةً تجعله قادراً على التأقلم مع المتغيرات الراهنة بفاعلية عالية، سواء على المدى القصير أو المتوسط، ليظل العقار دائماً «الابن البار» للاقتصاد السعودي.

تعزيز مكانة السعودية ملاذاً استثمارياً إقليمياً

وفي قراءة موحدة للمشهد، أجمع الخبيران باعشن والمرشد على أن الأزمة الراهنة أعادت تكريس مكانة السعودية بوصفها «ملاذاً استثمارياً إقليمياً» لا يمكن تجاوزه، حيث تضافرت 3 محركات رئيسية لرسم هذا الواقع؛ بدأت بزخم استثنائي في الطلب نتيجة الهجرة نحو الأمان، ومروراً بارتفاع منطقي في الأسعار واكب تصاعد التكاليف العالمية، وصولاً إلى ترسيخ الثقة الدولية في متانة الاقتصاد الوطني.

ويرى الاقتصاديان أن العقار السعودي اليوم بات يتمتع بمرونة فائقة وقدرة فريدة على التأقلم، كونه يستند إلى قاعدة صلبة من الطلب الداخلي المستدام مع تلقيه دعماً جزئياً من الطلب الخارجي الناجم عن المتغيرات الإقليمية، مما يضمن استمرارية جاذبيته وتفوقه في المديين القصير والمتوسط.


مقالات ذات صلة

الشركات اليابانية الصغيرة تعاني ضغوط حرب إيران

الاقتصاد رجل وامرأة يحتفلان بزواجهما أمام مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

الشركات اليابانية الصغيرة تعاني ضغوط حرب إيران

أشار استطلاع ياباني إلى أن ارتفاع تكاليف المشتريات يُعدّ أكبر ضغوط حرب الشرق الأوسط على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
أوروبا حشد من الناس خلال احتجاج ضد منتجع فاخر وهو مشروع لشركة مرتبطة بجاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منطقة حساسة بيئياً على ساحل البحر الأدرياتيكي في زفيرنيك بالقرب من فلورا بألبانيا يوم 6 يونيو 2026 (رويترز)

ما أسباب تصاعد المعارضة لمشروع منتجع فاخر مرتبط بعائلة ترمب في ألبانيا؟

يتصاعد الجدل في ألبانيا حول مشروع منتجع مرتبط بعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسط احتجاجات ومخاوف بيئية، فيما تتمسك الحكومة بالمضي فيه.

«الشرق الأوسط» (تيرانا)
الاقتصاد صورة لأفق مدينة بكين - الصين 11 مايو 2026 (رويترز)

الصين تعزّز سيطرتها على الاستثمارات الخارجية بسلسلة إجراءات تنظيمية وتشريعية

تشدّد الصين الرقابة على استثماراتها الخارجية، ونقل التكنولوجيا، وتوسّع أدواتها للرد على الضغوط الغربية، وحماية مصالحها الاقتصادية والتقنية في المنافسة العالمية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد وزير التجارة التركي عمر بولاط ووزير الاقتصاد والصناعة السوري محمد نضال الشعار في صورة جماعية مع المشاركين ضمن «قمة اقتصادات المدن» بولاية غازي عنتاب جنوب تركيا (حساب الوزير التركي على إكس)

قطار التجارة التركي - السوري ينطلق نحو مستهدف الـ10 مليارات دولار

قال وزير التجارة التركي إن الاستعدادات اكتملت لافتتاح معبر «إصلاحية» للسكك الحديدية بين غازي عنتاب وسوريا، وإن الاتفاق تم على فتح فروع لبنوك تركية في دمشق.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص أعلام سعودية وسويدية (إكس)

خاص رغم رياح هرمز... «رالي» استثماري مرتقب بين الرياض واستوكهولم

لم تفلح أمواج الاضطرابات المتلاطمة في مضيق هرمز، ولا التوترات الجيوسياسية التي أفرزها الصراع الإقليمي في النيل من متانة الجسر الاقتصادي بين الرياض واستوكهولم.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
TT

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

حققت الصناديق الخليجية بصمةً فارقةً في الطرح التاريخي لشركة «سبيس إكس» التي وضعتها في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين بأسهمها، في الوقت الذي تلقت فيه صناديق التحوط العالمية تخفيضات حادة في طلباتها بسبب التدافع القياسي الذي تجاوز 250 مليار دولار.

ووفق نشرة الاكتتاب العامة للشركة، التي مثلت أكبر عملية جمع أموال في تاريخ أسواق المال، فإن صناديق الثروة السيادية والمستثمرين في دول «مجلس التعاون الخليجي» لم يكونوا مجرد مشاركين عابري القارات، بل شكلوا العمود الفقري والمحرك الأساسي لأضخم عملية جمع أموال في تاريخ الأسواق المالية.

جاء التوزيع الخليجي الرسمي في صدارة قائمة كبار المكتتبين، إذ حصل كل من «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، و«جهاز قطر للاستثمار»، و«الهيئة العامة للاستثمار الكويتية»، على حصص تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار لكل منها كتخصيص نهائي. وبدأ تداول أسهم شركة «سبيس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك يوم الجمعة، بقيمة سوقية بلغت 1.78 تريليون دولار.


هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
TT

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، في حين قال رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إن الأزمات التي تمر بها البلاد «مفتعلة».

وأدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة» في السودان، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» تحركات شبه يومية في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، نظراً لتكالب التجار والمستوردين على الدولار من السوق السوداء، وسط نقص كبير في السوق الرسمية.

وقال البرهان في زيارة إلى منطقة العيلفون التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن وسط العاصمة الخرطوم، إن هناك مؤامرات تحاك ضد الوطن، محذراً من أن الدولة لن تتسامح مع أي شخص يهدد حياة المواطنين.

وأشار في خطابه إلى أن الأزمات في الكهرباء والوقود تتم بفعل فاعل.

وتعاني مناطق واسعة في البلاد من نقص حاد في التيار الكهربائي والوقود، إضافة إلى غلاء في أسعار المواد الغذائية، وسط تحذيرات من ارتفاع معدلات التضخم تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر في البلاد.

ويشكو مواطنو الخرطوم من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتدافع أصحاب السيارات الخاصة ومركبات النقل داخل محطات تعبئة الوقود جراء نقص الكميات المستوردة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان (إكس)

يأتي حديث البرهان بعد ساعات قليلة من إعلان مجلس الوزراء السوداني، بقيادة كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية (الغازولين والبنزين) لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف.

وفي هذا الصدد قال وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، إن جهات الاختصاص ممثلة في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، عليها إنفاذ القرار.

وأضاف أن مجلس الوزراء أصدر توجيهات للأجهزة الأمنية لاتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني.

تزايد الصعوبات المعيشية

أدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة»، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ويدفع النقص الكبير في الاحتياطي النقدي للعملات في البنك المركزي التجار والمستوردين إلى الشراء من «السوق السوداء»، في وقت تتحرك فيه مؤشرات سعر الصرف الرسمي وفي السوق السوداء يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً.

وقال متعاملون في العملة لــ«الشرق الأوسط»: «مؤشرات سعر الصرف تتحرك يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً... بلغ سعر الدولار الواحد 4700 جنيه، بينما أعلى سعر لامسه 4800 جنيه».

وقال تاجر في السوق الموازية (السوداء): «الأسعار غير ثابتة وتتحرك على مدار اليوم»، مضيفاً: «نفذنا عمليات بيع مقابل 4840 جنيهاً للدولار»، مشيراً إلى أن بعض التحويلات الخارجية وصلت إلى قرابة 6000 جنيه للدولار الواحد.

وعزا انخفاض العملة الوطنية إلى قلة العرض وزيادة الطلب الكبير على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تعرّض الاقتصاد السوداني لصدمات موجعة جراء تدمير البنية التحتية للصناعة وشلل كبير في حركة التجارة.

وحذر خبراء اقتصاديون في وقت سابق من أن هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني، وحالة من الركود والانكماش وتضخم حاد ستنعكس آثاره مباشرة على رفع تكلفة المعيشة بزيادة أسعار السلع.

وأدخلت الحرب نصف سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليوناً إلى دائرة الاحتياجات للمساعدات الإنسانية.

ويعاني السودان من ضغوط اقتصادية كبيرة، بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية بالنفط ومصادر الطاقة التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من الكهرباء والوقود.


الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير (كانون الثاني)، صُهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة البيع.

فقد ظهرت ساعة من طراز «كونستليشن» من «أوميغا» في الحملات الإعلانية والأفلام وفي حفل «ميت غالا» الشهير، حيث ارتداها نجوم مثل جورج كلوني ونيكول كيدمان، مما جعلها رمزاً للرفاهية والأناقة.

ووفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع أكثر من 10 تجار وخبراء في القطاع ومستشارين استثماريين، فإن الأنواع المستعملة من علامات تجارية مثل «أوميغا» و«تاج هوير»، التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، هي الأكثر تضرراً من هذا التوجه.

وصهر التاجر البريطاني جون وايت من شركة «غولد تريدرز» ساعة «كونستليشن» من عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي وكانت بحالة ممتازة في مايو (أيار)، لتكون واحدة من عشرات الساعات الفاخرة الشائعة التي صهرها هذا العام مع ارتفاع الطلب على الذهب بصفته أداة استثمارية.

وقال وايت، الذي يدير أيضاً دار مزادات، لـ«رويترز»: «ساعة جميلة. لكن في الواقع، ماذا كان سيحقق العميل لو عرضها في مزاد؟».

آدم هول كبير مسؤولي الصهر يضع الذهب القديم بما في ذلك الساعات الفاخرة في فرن لصهرها بشركة «هاتون غاردن ميتالز» في لندن (رويترز)

وأضاف أن قيمة الذهب الموجودة في ساعة «كونستليشن» تلك -وهي واحدة من عدة طرز تنتجها شركة «أوميغا» التابعة لمجموعة «سواتش»- بلغت نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً (7749 دولاراً)، أي أعلى بنسبة 35 في المائة من قيمتها التقديرية في المزاد التي تتراوح بين 4 آلاف و4500 جنيه إسترليني.

وقال مؤسس وحدة الساعات المستعملة «أنالوغ شيفت» التابعة لشركة «ووتشز أوف سويتزرلاند»، جيمس لامدين، إن عمليات الصهر «تتركز بشكل رئيسي على الساعات الحديثة المستعملة، وكذلك في الساعات الكلاسيكية الأقدم التي لا تُعدّ ضمن القطع القابلة للاقتناء».

الذهب السائل

ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 5600 دولار للأوقية (الأونصة) في يناير، إذ دفعت المخاوف الجيوسياسية والتجارية المتعاملين نحو المعادن الثمينة التي تُعدّ ملاذاً آمناً. ويحوم سعر الذهب حالياً حول 4200 دولار للأوقية، أي ما يقارب ضعف متوسط سعره في عام 2024.

ومع ذلك، لم يتحرك سعر السوق للساعات المستعملة بالطريقة نفسها. ولا توجد أرقام رسمية توضح عدد الساعات الفاخرة التي يجري صهرها. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن إجمالي إعادة تدوير الذهب في الربع الأول ارتفع 5 في المائة إلى 366 طناً، في حين ارتفع الطلب على الحلي الذهبية 31 في المائة من حيث القيمة ليصل إلى 47 مليار دولار.

ومع توقع وصول سعر الذهب إلى ما بين 5400 و6300 دولار للأوقية هذا العام، ستستمر الضغوط لتفكيك بعض الساعات، خصوصاً أن المتعاملين الذين يعيدون بيعها يجب أن يغطوا التكاليف ونفقات تقديم الضمان.

ويمكن أيضاً صهر الساعات الجديدة التي أُنتجت بكميات زائدة.

ساعات فاخرة قديمة قبل وضعها في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها (رويترز)

وقال لامدين: «رأيت الكثير من الساعات العادية تماماً يتم صهرها... هناك الكثير من المخزون الزائد غير المبيع في السوق السويسرية. وهذه الساعات هي في الأساس جديدة تماماً، لم يستعملها أحد، ويتم تفكيكها فقط... لقد صنعوا منها أكثر من اللازم».

وتابع: «لكن عندما يكون لديك شيء عتيق ونادر ويحمل قصة أو طابعاً خاصاً بفعل الزمن، فإن التخلص منه يصبح أمراً مؤسفاً ناتجاً عن قصر النظر».

«نبيع أم ننتظر؟»

دفعت أسعار الذهب المرتفعة المهندس المتقاعد من نيويورك ميتشل تاليسمان إلى بيع ساعتين ذهبيتين وسلسلة تحتوي على 35 غراماً من الذهب بنسبة نقاء 58 في المائة مقابل 2660 دولاراً نقداً في ديسمبر (كانون الأول). وقال لـ«رويترز»: «كان لديّ الكثير من الأشياء في خزينة بنكية لأكثر من 10 سنوات».

لكن بالنسبة إلى بعض المالكين، فإن فكرة بيع ساعة فقط ليقوم تاجر بصهرها لا تحتمل. وقال أدريان هيلوود المتخصص في تاريخ صناعة الساعات: «قد تكون قطعة عائلية.. قد تكون ساعتهم الأولى». وأضاف «لا تروق لهم فكرة إتلافها، لذا يحتفظون بها».