هل يكفي نمو الإنتاجية بالذكاء الاصطناعي لوقف انفجار الديون الحكومية؟

رغم وعود النمو

شخص يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على حاسوبه المحمول في نيودلهي (أ.ب)
شخص يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على حاسوبه المحمول في نيودلهي (أ.ب)
TT

هل يكفي نمو الإنتاجية بالذكاء الاصطناعي لوقف انفجار الديون الحكومية؟

شخص يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على حاسوبه المحمول في نيودلهي (أ.ب)
شخص يستخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي على حاسوبه المحمول في نيودلهي (أ.ب)

إذا تحققت طفرة إنتاجية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، فقد تمنح الاقتصادات الكبرى مزيداً من الوقت لتقويم أوضاعها المالية العامة المرهقة، وفق ما يرى اقتصاديون، لكنها لن تكون كافية للقيام بالمهمة الثقيلة بالكامل.

وتبدو المخاطر عالية للغاية، إذ يتجاوز الدين العام 100 في المائة من الناتج المحلي في معظم الاقتصادات الغنية، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر بفعل تكاليف شيخوخة السكان، وفوائد الديون، والضغط لزيادة الإنفاق على الدفاع ومواجهة تغير المناخ.

ويبدو أن صانعي السياسات في الولايات المتحدة متفائلون بالنمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي، ويشير الاقتصاديون إلى أن التكنولوجيا قد تساعد على إخراج الاقتصادات من الركود الإنتاجي الممتد منذ 2008 من خلال رفع كفاءة العمال، وإتاحة وقتهم للتركيز على مهام أكثر إنتاجية.

وقد يجعل النمو الاقتصادي المرتفع الإنفاق الحكومي وأعباء الدين أكثر قابلية للإدارة، ويساعد على مواجهة ضغوط مستثمري السندات الأكثر تشدداً.

ولتقدير أثر الذكاء الاصطناعي على المالية العامة على المدى الطويل، شاركت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وثلاثة اقتصاديين بارزين تقديرات أولية مع «رويترز».

وقالت فيليز أونسال، نائبة مدير السياسات الاقتصادية والبحوث في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية: «إذا أدت طفرة الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى زيادة فرص العمل، فإنها ستخفض الدين في دول المنظمة، من الولايات المتحدة إلى ألمانيا واليابان، بنحو 10 نقاط مئوية من نحو 150 في المائة من الناتج المتوقع في 2036»، مضيفة أن هذا لا يزال ارتفاعاً حاداً مقارنة بالمستوى الحالي البالغ 110 في المائة.

وأوضحت أن التأثير يعتمد على ما إذا كان خلق الوظائف سيفوق في نهاية المطاف أي فقدان للوظائف نتيجة الأتمتة، إضافة إلى ما إذا كانت الشركات ستنقل أرباحها الأعلى عبر زيادة الأجور، وكيفية إدارة الحكومات لإنفاقها الإجمالي.

حروف «الذكاء الاصطناعي» ويد روبوت موضوعة على لوحة أم للكمبيوتر في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

وفي الولايات المتحدة، توقع اقتصاديان آخران أن ينمو الدين بوتيرة أبطأ ليصل إلى نحو 120 في المائة خلال العقد المقبل مقارنة بنحو 100 في المائة حالياً في أفضل السيناريوهات، فيما رأى أحدهم أنه لن يطرأ تغيير كبير.

وقالت إدانّا أبيو، إحدى هؤلاء الاقتصاديين، التي عملت سابقاً في «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك وتعمل الآن مديرة صندوق في «فيرست إيغل للاستثمار»: «الإنتاجية تشبه السحر... فهي تدعم الديناميات المالية بشكل كبير»، وأضافت: «لكن مشاكلنا المالية أكبر بكثير مما يمكن للإنتاجية وحدها معالجته».

القيود الديمغرافية تحد من أثر الذكاء الاصطناعي

حتى الآن، تفترض وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز» عدم وجود تأثير كبير على المالية العامة بحلول نهاية العقد.

وقال مارك باتريك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي ومخاطر الدول في «تشارترز للتأمين والمعاشات الأميركية»: «المسار الذي تأمل فيه الإدارة الأميركية هو أن تنقذنا الصدفة»، مضيفاً أن هذا ليس «أمراً يمكن الاعتماد عليه».

ولم يقدم الاقتصاديون تقديرات لبقية الدول، إلا أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز الإنتاجية في بريطانيا بمستوى مشابه للولايات المتحدة، لكنه سيكون أقل بنحو النصف في إيطاليا واليابان بسبب انخفاض معدلات التبني وصغر القطاعات التي يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي، وفق أبحاث منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

وفي النهاية، ستحدد الديناميات المالية مدى قدرة الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي على موازنة ارتفاع الديون، فيما تظل التحديات الديمغرافية الأكبر.

وقال كيفن كانغ، رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية العالمية في «فانغارد»، ثاني أكبر مدير أصول في العالم: «يكمن أصل مشكلة الديون في شيخوخة السكان والحقوق المرتبطة بها»، مضيفاً: «يتطلب معالجة ذلك إعادة تنظيم النظام المالي، والذكاء الاصطناعي لا يعدو كونه كسباً للوقت».

ويتوقع كانغ أن يعزز الذكاء الاصطناعي نمو الاقتصاد الأميركي إلى معدل متوسط 3 في المائة حتى 2040، في حين يرى «الاحتياطي الفيدرالي» إمكانية نمو حوالي 2 في المائة. ويقدر أن النمو الأعلى وإيرادات الضرائب المرتفعة ستبطئ نمو الدين الأميركي ليصل إلى نحو 120 في المائة من الناتج بحلول أواخر الثلاثينيات، وهو أقل بكثير من التقدير الأعلى البالغ 180 في المائة إذا أخفق الذكاء الاصطناعي، وتباطأ النمو، وارتفعت تكاليف الاقتراض بفعل ضغط السوق.

وقد كان المستثمرون في السندات سريعين في معاقبة الحكومات على الإفراط المالي منذ أن ارتفعت عوائد السندات بشكل حاد بعد الجائحة في الاقتصادات الغنية.

وقالت أبيو إن انخفاض الهجرة في الولايات المتحدة زاد من التحدي الديمغرافي: «صدمة سوق العمل تعادل أي نمو في الإنتاجية بالذكاء الاصطناعي»، لكنها أضافت أنها ستكون أكثر قلقاً من دون الذكاء الاصطناعي.

خبير من «أمازون» يختبر شريحة «ترينيوم 3» الجديدة لتعلم الآلة في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

عدم اليقين بشأن الضرائب والإنفاق

ينبغي أن ترفع مكاسب الإنتاجية على مستوى الاقتصاد الإيرادات، لكن إذا قلّت فرص العمل أو المنافسة، وذهب معظم الأرباح ورأس المال، الذي غالباً ما تُفرض عليه ضرائب أقل من العمل، فقد تكون الإيرادات أقل من المتوقع.

وعلى جانب الإنفاق، يمكن لتحسين كفاءة القطاع العام أن يساعد في خفض التكاليف، لكن هناك خطر ارتفاع الإنفاق بالتوازي مع النمو.

لهذا السبب، يتوقع كينت سمترز، مدير مجموعة تحليل ميزانية «بن وارتون» في جامعة بنسلفانيا، أن يكون أثر الذكاء الاصطناعي على الدين الأميركي محدوداً خلال عقد من الزمن.

وأضاف أنه حتى لو كان النمو أعلى مما يتوقع حالياً، فلن يكون لذلك أثر كبير على تقليص الإنفاق على الضمان الاجتماعي، الذي يشكل خمس الإنفاق الفيدرالي، لأن المطالبات مرتبطة بالأجور المتوسطة، كما أن تكاليف العمالة الأخرى التي تغطيها الحكومة سترتفع إذا رفعت الإنتاجية أجور القطاع الخاص.

وقالت فيليز أونسال من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية: «من المهم جداً معرفة ما إذا كانت الأجور سترتفع»، مضيفة أن احتمال ارتفاع الأجور أكبر إذا لم يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زيادة التوظيف.

وطبعاً هناك تكاليف الدين، التي ستعتمد على ما إذا كانت الإنتاجية ستزيد من أسعار الفائدة الحقيقية، وهو نقاش بدأ يظهر بالفعل في «الاحتياطي الفيدرالي»، ومدى استمرار النمو في تجاوز أي زيادة محتملة، وفق ما قال الاقتصاديون.

ومن الواضح أن أحداً لا يمتلك كرة بلورية، فقد تقلب أي صدمة النقاش رأساً على عقب بسرعة. وقال كريستيان كيلر، رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية العالمية في «باركليز»: «قد يعني الركود أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي بسرعة كافية قبل أن تقلق السوق بشأن المسار المالي».


مقالات ذات صلة

«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

الاقتصاد الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)

«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

حققت فرنسا رقماً قياسياً جديداً في جذب الاستثمارات الأجنبية، بعد أن تعهدت شركات عالمية بضخ 93 مليار يورو (نحو 108 مليارات دولار) في البلاد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

«هيوماين» تتعاون مع «إنفيديا» لدعم مستقبل النقل الذاتي في السعودية

أبرمت شركة «هيوماين» شراكة مع شركة «إنفيديا» لدعم تطوير منظومة النقل الذاتي في السعودية، عبر الاستفادة من منصة «إنفيديا درايف هايبرون».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد زوار يمرُّون بجناح يعرض أحرف «AI» (الذكاء الاصطناعي) في معرض هانوفر الصناعي يوم 21 أبريل 2026 (رويترز)

سندات الذكاء الاصطناعي تعيد رسم خريطة أسواق الدَّين العالمية وتتحدى الهيمنة الدولارية

تُعد شركة «ألفابت»، المالكة لـ«غوغل»، فعلاً، من أكبر المقترضين في أسواق سندات الشركات المقومة بالجنيه الإسترليني والفرنك السويسري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفينة حاويات تغادر محطة ميناء بوسان الجديد (رويترز)

بفضل الذكاء الاصطناعي... صادرات كوريا الجنوبية تسجل أقوى نمو خلال 4 عقود

نمت صادرات كوريا الجنوبية خلال مايو بأكثر من المتوقع مسجلةً أقوى معدل سنوي لها منذ أكثر من أربعة عقود مدفوعةً بطفرة عالمية في استثمارات الذكاء الاصطناعي

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد متداولة عملات تتحدث عبر الهاتف في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)

أسهم كوريا الجنوبية وتايوان تقفز لمستويات قياسية بدفع من الذكاء الاصطناعي

قفزت الأسهم في كوريا الجنوبية وتايوان لمستويات قياسية غير مسبوقة في تداولات يوم الإثنين، مدفوعة بموجة صعود قوية لأسهم الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بنغالورو)

«صندوق النقد» يُشرّح أزمة لبنان: الفساد المنهجي يعطّل التعافي... والحوكمة هي الحل

الشمس تغرب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت في أعقاب تهديد إسرائيلي بضرب المنطقة (أ.ب)
الشمس تغرب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت في أعقاب تهديد إسرائيلي بضرب المنطقة (أ.ب)
TT

«صندوق النقد» يُشرّح أزمة لبنان: الفساد المنهجي يعطّل التعافي... والحوكمة هي الحل

الشمس تغرب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت في أعقاب تهديد إسرائيلي بضرب المنطقة (أ.ب)
الشمس تغرب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت في أعقاب تهديد إسرائيلي بضرب المنطقة (أ.ب)

في خطوة حاسمة لتشخيص الأزمات الهيكلية التي تعصف بالبلاد، أصدر صندوق النقد الدولي تقريراً فنياً شاملاً ومفصلاً يُعد بمنزلة «مشرط جراح» للأوضاع المؤسسية في لبنان.

التقرير، الذي حمل عنوان «لبنان: تشخيص الحوكمة والفساد»، وصدر ملخصه في أعقاب جولات تقييمية معقدة، يضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالثغرات القانونية والإدارية التي تعوق أي تقدم اقتصادي.

ويأتي هذا التقرير ليؤكد أن محاربة الفساد وتحديث نظم الحوكمة ليسا مجرد خيارات رفاهية، بل شروط أساسية ووحيدة لإعادة بناء الثقة الدولية والمحلية، وتحقيق الاستقرار المالي والنقدي، وتمهيد الطريق لنمو اقتصادي مستدام وشامل ينتشله من أزمته الراهنة.

تحديات سياسية وانفراجة أعادت الزخم

لم يكن إعداد هذا التقرير أمراً سهلاً؛ فقد مرّ بمراحل متعددة بدأت بمهمة استكشافية هجينة في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، وتبعتها ثلاث بعثات استشارية امتدت حتى أبريل (نيسان) 2023. ووفقاً للتقرير، عانت هذه الجهود من جمود وتأخيرات ملحوظة نتيجة حالة عدم الاستقرار السياسي الطويلة التي عاشتها البلاد في ظل حكومة تصريف أعمال استمرت لفترة طويلة.

ومع ذلك، شكّل انتخاب الرئيس جوزيف عون، وتشكيل حكومة جديدة برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام، نقطة تحول جوهرية؛ إذ سمحت هذه الانفراجة السياسية لبعثة صندوق النقد بإعادة التواصل الفعّال مع السلطات اللبنانية، وهو ما تكلل بإنجاز التقرير النهائي وتسليمه في أكتوبر 2025. هذا الاستقرار السياسي الجديد خلق زخماً متجدداً للإصلاح والتعافي الاقتصادي.

الفساد وضعف المؤسسات

خلص التقرير الصادر عن الدائرة القانونية في الصندوق، والذي أعدته بعثة رفيعة المستوى بقيادة تينا بورجالياني، وفريق من الخبراء الدوليين، إلى أن لبنان يعاني من «فساد مستشرٍ ومنهجي» يُضعف أداء مؤسسات الدولة الأساسية. وعزا التقرير هذا التدهور إلى تشريعات قديمة، وهياكل مؤسسية مجزأة، وممارسات تعزز شبكات المحسوبية.

ويمكن تقسيم أبرز نتائج التشخيص الحرج إلى المحاور التالية:

1. الحوكمة المالية العامة: غياب الشفافية وهدر المستحقات: تعاني المالية العامة من قوانين بالية وغياب الانضباط، وهو ما يظهر في الانتهاك المتكرر للمواعيد الدستورية لإقرار الموازنات، وتفشي الإنفاق خارج الموازنة.

في ما يتعلق بالمشتريات والشركات المملوكة للدولة، فإنه رغم إقرار قانون جديد للمشتريات العمومية كخطوة إيجابية، فإن تطبيقه جاء مجزأً وشهد تأخيراً في تفعيل سلطات الاعتراضات والمشتريات. كما أن إدارة الشركات الحكومية تفتقر للشفافية وتساهم في تفاقم المخاطر المالية.

وتواجه كذلك الإدارة الضريبية والجمركية تداخلاً في الصلاحيات، وبطئاً في اتخاذ القرار، وضغوطاً خارجية نتيجة لغياب آليات المساءلة القوية.

2. مصرف لبنان والقطاع المالي: يفتقر مصرف لبنان إلى الترتيبات المؤسسية المتوافقة مع المعايير الدولية للحوكمة والاستقلالية. وأشار التقرير إلى أن غياب الشفافية في القرار أدى سابقاً إلى ممارسات وفّرت بيئة خصبة لجمع الأرباح غير المشروعة، مستشهداً بـ«منصة صيرفة» لتبادل العملات الأجنبية التي تم إلغاؤها.

وتتركز سلطة اتخاذ القرار بشكل مفرط مع غياب التوازن والمساءلة العامة، فضلاً عن افتقار المراقبين والمشرفين الماليين للحماية القانونية اللازمة لأداء مهامهم، وفق ما جاء في التقرير.

3. مكافحة غسل الأموال وسيادة القانون: على الرغم من وجود أطر قانونية نظرياً (مثل تتبع الملكية النفعية ومراقبة الأشخاص المعرضين سياسياً)، فإن ضعف القدرة على التنفيذ يحول دون كشف التدفقات المالية المشبوهة وملاحقة المتورطين. كما تواجه هيئة التحقيق الخاصة (وحدة الاستخبارات المالية) مخاطر التدخل التي قد تؤثر على استقلاليتها التشغيلية.

وفي هذا الشق أيضاً، يشير التقرير إلى أن الأزمة المالية الأخيرة تركت القضاء في حالة عجز شديد نتيجة نقص التمويل والموظفين، مما أدى إلى تراكم القضايا. ومع ذلك، اعتبر التقرير إقرار البرلمان قانون «تنظيم القضاء» في 31 يوليو (تموز) 2025، واستكمال التعيينات القضائية، خطوة ممتازة نحو استعادة الثقة.

وتحدث التقرير عن أن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد لا تزال غير مفعلة بالكامل، وتعتمد على دعم المانحين، في حين تواجه الأجهزة الرقابية الأخرى (كالتفتيش المركزي وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية) قيوداً حادة في قدراتها البشرية والمالية.

مقر مصرف لبنان المركزي في منطقة الحمراء ببيروت (رويترز)

أولويات الإصلاح الهيكلي

بناءً على التقرير الصادر عن صندوق النقد الدولي، تتمحور أولويات الإصلاح الهيكلي في لبنان حول استراتيجية متكاملة تهدف إلى القضاء على الضبابية الإدارية وسياسة الإفلات من العقاب التي تغذي منظومة الفساد. وتأتي في مقدمة هذه الأولويات ضرورة بناء نظام قضائي عادل ومستقل ونزيه، بالتوازي مع تعزيز البنية التحتية لمكافحة الفساد لتفعيل أجهزة الرقابة الرسمية، وتحقيق أعلى مستويات الشفافية والمساءلة.

كما يشدد التقرير على حتمية إصلاح حوكمة مصرف لبنان المركزي لإعادة بناء مصداقيته المفقودة، والحد من مخاطر الفساد المحيطة بالسياسة النقدية. ويمتد هذا الإصلاح ليشمل تطوير الرقابة على القطاع المالي من خلال حماية المشرفين وتطبيق معايير صارمة تمنع تضارب المصالح، وصولاً إلى ضبط المالية العامة وتحسين إدارة الشركات المملوكة للدولة، وتطوير منظومة المشتريات العمومية، لضمان كفاءة الإنفاق الحكومي، وتحقيق الاستقرار المالي الشامل كركيزة أساسية للتعافي.

واختتم الصندوق تقريره بالتأكيد على أن بناء «وظيفة عامة قائمة على الكفاءة والجدارة» هو المفتاح الأساسي لاستدامة أي تعافٍ، داعياً الشركاء الدوليين إلى الاستمرار في تقديم الدعم الفني والمالي للسلطات اللبنانية لمساعدتها على تنفيذ هذه الحزمة الإصلاحية المعقدة والمصيرية.


تأخر سداد مستحقات واشنطن يجمّد تعيين مسؤولها في «العمل الدولية»

واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها (منظمة العمل الدولية)
واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها (منظمة العمل الدولية)
TT

تأخر سداد مستحقات واشنطن يجمّد تعيين مسؤولها في «العمل الدولية»

واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها (منظمة العمل الدولية)
واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها (منظمة العمل الدولية)

أعلنت منظمة العمل الدولية، الاثنين، إلغاء تعيين مسؤول أميركي رفيع المستوى في منصب نائب المدير العام للمنظمة الأممية، وذلك بسبب تأخر الولايات المتحدة في سداد مستحقاته.

وقالت المنظمة، في بيان وفقاً لوكالة «رويترز»: «لذلك، لن يتولى شينغ لي (الولايات المتحدة الأميركية) منصب نائب المدير العام في يوليو (تموز) كما كان مخططاً له سابقاً».

كانت منظمة العمل الدولية قد عيَّنت شينغ لي في هذا المنصب في أبريل (نيسان) بعد أشهر من التأخير. إلا أن المنظمة أبلغت الولايات المتحدة لاحقاً بأن التعيين لن يتم إلا بعد سداد المستحقات.

وأعلنت منظمة العمل الدولية أن «هذا القرار لا يمسّ بإمكانية تسوية الولايات المتحدة متأخراتها، وبالتالي استعادة مكانتها كأكبر مسهم في المساهمات المقررة»، مضيفةً أنها تُجري محادثات مع الولايات المتحدة.

وأفاد ثلاثة دبلوماسيين، وفقاً لوكالة «رويترز»، بأن واشنطن مطالَبة بدفع ما لا يقل عن 50 مليون دولار من المساهمات المستحقة عليها، مما يلقي بظلال من الشك على الوضع المالي الهش للمنظمة، ويُنذر باحتمالية تسريح بعض الموظفين.

وتحتل الولايات المتحدة تقليدياً المرتبة الثانية كأكبر مانح، حيث تدفع 22 في المائة من ميزانية منظمة العمل الدولية.

وحسب الأرقام المنشورة على موقع المنظمة الإلكتروني، ومقرها جنيف، فإن الولايات المتحدة مدينة بمبلغ 257 مليون فرنك سويسري (328 مليون دولار) حتى 29 مايو (أيار)، وذلك عن عام 2026، بالإضافة إلى متأخرات سابقة عن عامي 2024 و2025.


«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)
الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)
TT

«اختر فرنسا» تحصد استثمارات قياسية بـ108 مليارات دولار تقودها «سوفت بنك»

الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)
الرئيس الفرنسي يعانق رئيس «سوفت بنك» ماسايوشي سون أثناء إدلائهما ببيان مشترك بعد اجتماعهما بقصر الإليزيه (رويترز)

حققت فرنسا رقماً قياسياً جديداً في جذب الاستثمارات الأجنبية، بعد أن تعهدت شركات عالمية بضخ 93 مليار يورو (نحو 108 مليارات دولار) في البلاد، حيث ذهب نصف هذه الاستثمارات لصالح مشروع ضخم لمراكز البيانات تدعمه مجموعة «سوفت بنك» اليابانية، في وقت يسعى فيه الرئيس إيمانويل ماكرون لاستغلال القدرات النووية لبلاده لتحويلها قائداً عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأعلن رئيس المجموعة اليابانية، ماسايوشي سون، قبيل الافتتاح الرسمي لقمة «اختر فرنسا» السنوية في قصر فرساي، أن مجموعته تعتزم استثمار 45 مليار يورو لبناء ثلاثة مراكز بيانات بقدرة إجمالية تصل إلى 3.1 غيغاواط في منطقة «أو دو فرنس» بحلول عام 2031. وأشار سون إلى أن هذا الاستثمار قد يرتفع مستقبلاً ليصل إلى 75 مليار يورو.

وقال سون في تصريحات أدلى بها من قصر الإليزيه: «نحن أمام تدفق استثماري هائل الحجم. هذا المشروع سيساعد أوروبا على سد الفجوة واللحاق بالولايات المتحدة والصين في قدرات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي... لقد طبقنا هذا النموذج في الولايات المتحدة ويمتلك الزخم اللازم لجعل فرنسا مركزاً لأوروبا».

ويأتي هذا المشروع جزءاً من حملة إنفاق عالمية تقودها «سوفت بنك» في بنية الذكاء الاصطناعي التحتية؛ حيث استثمرت المجموعة حتى الآن أكثر من 30 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي» - مطور «تشان جي بي تي» - لتستحوذ على حصة 11 في المائة، مع التزامها بضخ 30 مليار دولار إضافية خلال عام 2026، إلى جانب قيادتها تمويل مشروع «ستارغيت» البالغة تكلفته 500 مليار دولار لبناء مراكز بيانات في الولايات المتحدة.

تصدير «الذكاء» بدلاً من الكهرباء

من جانبه، أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذا التعهد الاستثماري، واصفاً إياه بـ«الإنجاز العظيم» الذي يسهم في جسر الفجوة الأوروبية في قدرات الحوسبة.

ويراهن ماكرون على أسطول فرنسا المكون من 57 مفاعلاً نووياً وفائض الكهرباء المتنامي لترويج بلاده بوصفها وجهةً مثالية لمراكز البيانات المستهلكة بكثافة للطاقة. وعقّب ماسايوشي سون على هذه الاستراتيجية قائلاً: «فرنسا كانت تصدّر الطاقة الكهربائية، والآن يمكننا تحويل هذه الكهرباء والمواد الخام ذكاءً عالي القيمة، لتصبح فرنسا مُصدّرة للذكاء».

وأوضح الرئيس التنفيذي الياباني أن الصفقة تبلورت بسرعة فائقة بعد لقائه ماكرون في طوكيو خلال أبريل (نيسان) الماضي، حيث حثَّه الرئيس الفرنسي على التحرك السريع لإتمام الاتفاق بالتزامن مع النسخة الحالية للقمة، التي يستخدمها ماكرون منذ تسع سنوات لجذب قادة الشركات العالمية.

ملف الوظائف وتحدي البطالة

رغم الوعود الاستثمارية القياسية، ما زال الاقتصاد الفرنسي يواجه تحديات هيكلية في سوق العمل؛ إذ تهدف المشاريع الـ71 المعروضة في قمة هذا العام إلى توفير أكثر من 15600 فرصة عمل جديدة.

وتأتي هذه الوظائف المرتقبة في وقت تشهد فيه معدلات البطالة الفرنسية ارتفاعاً طفيفاً لتتجاوز حاجز 8 في المائة مؤخراً، وهو مستوى يضعها فوق متوسط معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي. يُذكر أن قمم «اختر فرنسا» نجحت منذ انطلاقها عام 2018 في استقطاب نحو 231 مشروعاً بإجمالي تعهدات استثمارية بلغت 87 مليار يورو.