تحت رعاية خادم الحرمين... «نصيغ المستقبل» يضع السعودية في قلب الحوار العالمي للعمل

الشريك المعرفي لـ«الشرق الأوسط»: الحَدَث قادر على إنتاج حلول عملية وبناء شراكات

المعرض المصاحب للمؤتمر الدولي لسوق العمل (تصوير: تركي العقيلي)
المعرض المصاحب للمؤتمر الدولي لسوق العمل (تصوير: تركي العقيلي)
TT

تحت رعاية خادم الحرمين... «نصيغ المستقبل» يضع السعودية في قلب الحوار العالمي للعمل

المعرض المصاحب للمؤتمر الدولي لسوق العمل (تصوير: تركي العقيلي)
المعرض المصاحب للمؤتمر الدولي لسوق العمل (تصوير: تركي العقيلي)

تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، تستضيف العاصمة السعودية الرياض يومي 26 و27 يناير (كانون الثاني) 2026 المؤتمر الدولي لسوق العمل الذي يعقد تحت شعار «نصيغ المستقبل»، بمشاركة أكثر من 200 متحدث وخبير دولي يمثلون ما يزيد على 120 دولة من بينهم أكثر من 40 وزير عمل، ورؤساء منظمات دولية، واقتصاديون بارزون، ورؤساء تنفيذيون، وصناع سياسات.

يأتي انعقاد النسخة الثالثة من المؤتمر، تجسيداً لالتزام المملكة بدورها الدولي في دعم الحوار العالمي حول مستقبل العمل، ومواجهة التحديات المشتركة التي تعيد تشكيل أسواق العمل على مستوى العالم، وفق ما قال وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية المهندس أحمد الراجحي. وأوضح أن الحدث يمثل منصة عالمية تجمع مختلف الأطراف الفاعلة لتبادل الخبرات وبناء رؤى مشتركة تسهم في تطوير سياسات أكثر مرونة وشمولية، وتعزيز جاهزية القُوَى العاملة، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وجودة الحياة؛ بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية 2030».

محاور المؤتمر

في نسخته لهذا العام، يركز المؤتمر على ستة محاور رئيسة تعكس التحولات الكبرى التي تشهدها أسواق العمل العالمية، تشمل تحوّلات التجارة وتأثيرها على التوظيف، والاقتصادات غير الرسمية، والمشهد العالمي الجديد للمهارات، والتأثير الحقيقي للذكاء الاصطناعي على الوظائف والإنتاجية، وبناء أسواق عمل مرنة في أوقات الأزمات، وتعزيز جودة الوظائف مع اهتمام خاص بقضايا الشباب بوصفهم الركيزة الأساسية لاقتصاد المستقبل.

ضمن هذا السياق، تشارك «كينغز ترست إنترناشيونال» في نسخة 2026 من المؤتمر كشريك معرفي، لتعميق حضورها في النقاشات العالمية المعنية بمستقبل العمل والشباب. وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» يوضح الرئيس التنفيذي للمنظمة، ويل سترو، دوافع هذه الشراكة والرؤى التي تسعى المنظمة إلى تقديمها ودورها في ربط البحث العلمي بالحلول القابلة للتطبيق.

يقول سترو إن قرار الانضمام إلى المؤتمر الدولي لسوق العمل كشريك معرفي يأتي استكمالاً للزخم الذي حققته نسخة العام الماضي، مشيراً إلى أن المؤتمر يجمع قادة من الحكومات وقطاع الأعمال والعمل الخيري والمجتمع المدني على نطاق لا توفره سوى منصات محدودة. وأضاف أن منظمة «كينغز ترست إنترناشيونال» التي تعمل عند تقاطع هذه القطاعات وجدت في تعميق مشاركتها خطوة تعكس طبيعة عملها ونهجها التعاوني.

الرئيس التنفيذي لـ«كينغز ترست إنترناشيونال» ويل سترو (المنظمة)

منظور عالمي

ويستند هذا الدور، بحسب سترو، إلى خبرة ميدانية ممتدة على مدار عقد من الزمن، قدمت خلالها المنظمة برامج تركز على الشباب في 25 دولة من خلال شبكة تضم أكثر من 40 شريكاً تنفيذياً. ويوضح أن هذا الانتشار يمنح المنظمة منظوراً عالمياً عملياً حول التحديات والفرص التي يواجهها الشباب، إضافة إلى الاطلاع المباشر على الابتكارات الناشئة في سياقات مختلفة، ومؤكداً أن نقل هذه الرؤى إلى المؤتمر يسهم في تطوير حلول واقعية وقابلة للتوسع ومستندة إلى الخبرات الحياتية الفعلية.

وعما يميز منصة المؤتمر الدولي لسوق العمل في تحويل الأبحاث إلى حلول عملية، يشير سترو إلى قدرتها على جمع الأطراف المعنية المناسبة في المكان نفسه. فالتفاعل المباشر بين صناع السياسات وأصحاب الأعمال ومنظمات المجتمع المدني مع الأدلة والبحوث يتيح اختبار هذه الأبحاث ومناقشتها وتحويلها بسرعة إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

كما لفت إلى أن تركيز المؤتمر على النتائج الملموسة، من خلال جلسات مثل «الهاكاثون»، يساعد على تجاوز الطرح النظري وإنتاج حلول عملية مدعومة بفرص التعلم وبناء الشراكات بين القطاعات.

معايير ثابتة

وفيما يتعلق بدور الشبكة الدولية للمنظمة في إعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة، يوضح سترو أن نموذج الشراكات العالمية يشكل حجر الأساس في دعم الشباب. فالشراكة مع أكثر من 40 جهة محلية موثوقة تضمن فهماً عميقاً للسياقات الاقتصادية والثقافية والواقع الذي يعيشه الشباب في كل دولة، مما يسمح بتقديم برامج تجمع بين الرؤية العالمية والملاءمة المحلية مع الحفاظ على معايير ثابتة للجودة والأثر.

وعند سؤاله عن المهارات الأكثر أهمية لازدهار الشباب خلال العقد المقبل، يرى سترو أن المرحلة المقبلة ستتطلب مزيجاً من المهارات الأساسية والتقنية فالكفاءات الجوهرية مثل التواصل، والثقة بالنفس، والعمل الجماعي، وإدارة المشاعر، والقدرة على تحديد الأهداف وتحقيقها، ستظل ضرورية لتمكين الشباب من التعامل مع حالة عدم اليقين وتولي زمام مستقبلهم. وفي المقابل أصبحت المهارات الرقمية اليوم ضرورة لا غنى عنها في جميع القطاعات إلى جانب تزايد أهمية الثقافة المالية مع تنقل الشباب بين أدوار وأنماط عمل مختلفة.

إحدى المستفيدات من برامج «كينغز ترست إنترناشيونال» (المنظمة)

التحول الرقمي

وأما عن تأثير التكنولوجيا والتحول الرقمي في إعادة تشكيل فرص العمل، فيؤكد سترو أن التكنولوجيا، ولا سيما الذكاء الاصطناعي ستكون من أقوى العوامل المؤثرة في أسواق العمل خلال العقد المقبل لما تتيحه من فرص لظهور صناعات وفئات عمل جديدة. لكنه يحذر في الوقت ذاته من اتساع فجوة عدم المساواة، مشيراً إلى أن ملايين الشباب، لا سيما من الفئات المهمشة بما في ذلك النساء والفتيات ما زالوا خارج نطاق الاتصال بالإنترنت أو يفتقرون إلى المهارات الرقمية اللازمة للمشاركة في الاقتصاد الرقمي.

وشدد على أهمية مواكبة الحكومات والمؤسسات التعليمية لمتطلبات سوق العمل وتعزيز دور البحث العلمي في توجيه السياسات والمناهج، بما يضمن بقاء أنظمة التعليم ذات صلة وقادرة على الاستجابة.

اجتماع وزاري

ويأتي هذا الطرح متسقاً مع أهداف المؤتمر الدولي لسوق العمل الذي يشهد هذا العام عقد اجتماع وزاري بمشاركة 40 وزير عمل من مختلف أنحاء العالم بهدف تعزيز الاستجابة العملية لأبرز التطورات التي تواجه أسواق العمل اليوم.

ويركز الاجتماع على الانتقال من الحوار إلى التنفيذ عبر مناقشة مسارات توظيف قابلة للتطبيق الفوري وتبادل أفضل الممارسات الدولية واستعراض سبل تعزيز التعاون الدولي في مجالات تنمية المهارات، وتبني التقنيات، وجودة الوظائف، والحماية الاجتماعية.

ويواصل المؤتمر ترسيخ موقعه بوصفه منصة دولية تجمع الحكومات والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص والخبراء والأكاديميين وأصوات الشباب لمناقشة واقع أسواق العمل العالمية والمساهمة في رسم ملامح مستقبلها مع التزام واضح بترجمة المخرجات والرؤى إلى حلول واقعية ومستدامة تحدث أثراً ملموساً على المدى القريب والبعيد.


مقالات ذات صلة

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية مع استمرار متانة سوق العمل

الاقتصاد لافتة «نبحث عن موظفين» موضوعة على نافذة أحد مطاعم شيبوتلي في مدينة نيويورك (رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية مع استمرار متانة سوق العمل

ارتفع عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة بشكل طفيف خلال الأسبوع الماضي في إشارة إلى استمرار مرونة سوق العمل الأميركي أوائل يونيو

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد موظف يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

عوائد السندات الأميركية تقفز إلى أعلى مستوى في 15 شهراً بعد بيانات الوظائف

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، يوم الجمعة، لتسجل السندات لأجل عامين أعلى مستوى لها في 15 شهراً، وذلك بعد صدور بيانات أظهرت إضافة وظائف تفوق التوقعات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع بعد بيانات وظائف قوية في أميركا

تراجعت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، متأثرة بانخفاض أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى وارتفاع عوائد السندات، وذلك عقب صدور تقرير قوي عن الوظائف في أميركا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد لافتة توظيف خارج متجر تابع لشركة «تارغت» في كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

نمو قوي للوظائف بأميركا يفوق التوقعات في مايو... ويدعم تثبيت الفائدة

سجل الاقتصاد الأميركي مكاسب قوية في سوق العمل للشهر الثاني على التوالي خلال مايو (أيار)، في مؤشر على استمرار تعافي التوظيف بعد فترة من التباطؤ العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد عامل يشغّل آلة في منشأة إنتاج أوتار الآلات الموسيقية التابعة لشركة «دآدّاريو» في فارمينغديل بنيويورك (رويترز)

تباطؤ إنتاجية العمال في أميركا بوتيرة أسرع من المتوقع خلال الربع الأول

تباطأ نمو إنتاجية العمال في الولايات المتحدة بوتيرة أسرع من المتوقع خلال الربع الأول، رغم أن الاتجاه العام لا يزال يُظهر قوة نسبية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ولايات أميركية تفتح تحقيقاً مع «أوبن إيه آي» بشأن بيانات المستخدمين

ذكرت «أوبن إيه آي» أنها عززت تدابير الحماية والأمان للمستخدمين القاصرين وكذلك لأولئك الذين يمرون بظروف نفسية صعبة (رويترز)
ذكرت «أوبن إيه آي» أنها عززت تدابير الحماية والأمان للمستخدمين القاصرين وكذلك لأولئك الذين يمرون بظروف نفسية صعبة (رويترز)
TT

ولايات أميركية تفتح تحقيقاً مع «أوبن إيه آي» بشأن بيانات المستخدمين

ذكرت «أوبن إيه آي» أنها عززت تدابير الحماية والأمان للمستخدمين القاصرين وكذلك لأولئك الذين يمرون بظروف نفسية صعبة (رويترز)
ذكرت «أوبن إيه آي» أنها عززت تدابير الحماية والأمان للمستخدمين القاصرين وكذلك لأولئك الذين يمرون بظروف نفسية صعبة (رويترز)

فتحت ولايات أميركية عدة تحقيقات بشأن «أوبن إيه آي» ووجهت إليها في هذا الإطار طلباً للحصول على معلومات، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن بعض الشركات الناشئة.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الطلب يتعلق ببيانات مستخدمي برنامج الذكاء الاصطناعي الخاص بها «تشات جي بي تي»، خصوصاً الأطفال والمسنين.

وأفاد الموقع الإلكتروني للصحيفة بأن المدعية العامة لولاية نيويورك ليتيشا جيمس، هي من أرسلت الرسالة نيابة عن تحالف كثير من الولايات الأميركية.

وقالت شركة «أوبن إيه آي»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن نتعامل بجدية مع المخاوف التي أثارها المدعون العامون للولايات، ونعتزم التواصل معهم بشكل بنّاء».

وذكّرت المجموعة بأنها عززت تدابير الحماية والأمان للمستخدمين القاصرين، وكذلك لأولئك الذين يمرون بظروف نفسية صعبة.

وأضافت ناطقة باسم الشركة أن «الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا جديدة وقوية، ونحن نعمل يومياً على إتاحة الاستفادة من مزاياها بطريقة مسؤولة».

ومطلع يونيو (حزيران) الحالي، أقام المدعي العام لولاية فلوريدا دعوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» ورئيسها التنفيذي سام ألتمان، بتهمة تعريض مستخدمين شباب للخطر.

كما أقامت عائلات قاصرين دعاوى قضائية مماثلة، ارتبطت في معظم الحالات بالانتحار.


مستثمرو الخليج يصنعون الفارق في أضخم اكتتاب بتاريخ «وول ستريت»

موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
TT

مستثمرو الخليج يصنعون الفارق في أضخم اكتتاب بتاريخ «وول ستريت»

موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

مع بدء تداول أسهم شركة «سبايس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك بقيمة سوقية بلغت 1.78 تريليون دولار، لم يعد الحديث عن دور الأموال الخليجية مجرد تكهنات أو تسريبات صحافية. لقد رفعت إفصاحات اللحظات الأخيرة ونشرة الاكتتاب العامة الستار عن حقيقة اقتصادية بالغة الأهمية: صناديق الثروة السيادية والمستثمرون في دول مجلس التعاون الخليجي لم يكونوا مجرد مشاركين عابري القارات، بل شكلوا العمود الفقري والمحرك الأساسي لأضخم عملية جمع أموال في تاريخ الأسواق المالية (75 مليار دولار)، ليتحول الخليج إلى شريك تاريخي في صياغة مستقبل الفضاء والذكاء الاصطناعي.

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

وفي الوقت الذي تلقت فيه صناديق التحوط العالمية تخفيضات حادة في طلباتها بسبب التدافع القياسي الذي تجاوز 250 مليار دولار، كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية نقلاً عن مصادر مطلعة على سجلات الطرح، أنه تم منح الأولوية للصناديق السيادية والمكاتب العائلية، حيث وضعت «سبايس إكس» الصناديق الخليجية في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين.

ووفق الصحيفة، جاء التوزيع الخليجي الرسمي في صدارة قائمة كبار المكتتبين؛ حيث حصل كل من صندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز قطر للاستثمار والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، على حصص تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار لكل منهم حجم تخصيص نهائي، وهي أرقام تقترب من حجم طلب عملاق إدارة الأصول الأميركي «بلاك روك» الذي طلب حصة بـ5 مليارات دولار.

هذا التهافت غذّته أيضاً قواعد «الدخول السريع» التي أقرها مزودو المؤشرات العالمية مثل «ناسداك» و«فوتسي راسل»، والتي تسمح بضم السهم إلى مؤشراتها الكبرى (مثل ناسداك 100) خلال من 5 إلى 15 يوم تداول فقط، مما جعل اقتناص السهم من الدفتر الأول معركة استباقية للصناديق.

قصة صعود حصة «المملكة»

تُقدم حالة الأمير الوليد بن طلال وشركة «المملكة القابضة» النموذج الأبرز لكيفية جني المستثمرين الخليجيين مكاسب دفترية تاريخية بفضل علاقتهم الاستراتيجية الممتدة مع إيلون ماسك، وتجسيداً عملياً لتعهد ماسك في 2024 حين كتب عبر منصته: «الولاء يستحق الولاء»، واعداً بمنح الأولوية لمستثمريه القدامى.

مبنى «المملكة القابضة» في الرياض (واس)

بدأت هذه الرحلة في عام 2011 عندما ضخ الأمير الوليد استثماراً بقيمة 300 مليون دولار في منصة «تويتر» (إكس حالياً). وعندما استحوذ ماسك على المنصة في عام 2022، اتخذت «المملكة القابضة» ورئيس مجلس إدارتها الأمير وليد بن طلال قراراً مفصلياً بتدوير الحصة وعدم تسييلها. لاحقاً، ومع التطورات المتسارعة التي أجراها ماسك بدمج منصة «إكس» مع شركته الناشئة للذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي»، ثم صهر الكيان بالكامل تحت مظلة «سبايس إكس»، تحولت تلك المساهمة التاريخية رسمياً إلى أسهم ملكية مباشرة في شركة الصواريخ والاتصالات الفضائية، وفقاً لما كشفته وثائق الاكتتاب العام.

ونتيجة لهذه الهندسة الاستثمارية الذكية، كشفت شركة «المملكة القابضة» في إفصاح رسمي ومستقل للسوق المالية السعودية، أن القيمة التقديرية لحصتها المشتركة مع الأمير الوليد بن طلال قفزت لتتجاوز 10.6 مليار دولار بناءً على سعر الاكتتاب النهائي البالغ 135 دولاراً للسهم. ولم يتوقف أثر هذا التقييم عند دفاتر الشركة فحسب، بل انعكس فوراً على أرض الواقع؛ إذ فجّر طفرة سعرية قادت سهم «المملكة القابضة» في السوق المالية السعودية (تداول) للتحليق عند أعلى مستوى له منذ 10 سنوات كاملة.

معادلة الذكاء الاصطناعي

بالتوازي مع هذه المكاسب المباشرة، تُظهر البيانات التشغيلية المنشورة ومجريات صفقات «سبايس إكس» المدمجة أن المستثمر الخليجي نجح في تغيير قواعد اللعبة الاستثمارية التقليدية. فلم يعد رأس المال المقبل من المنطقة مجرد تمويل «صامت» يكتفي بانتظار توزيعات الأرباح؛ بل تحول إلى لاعب استراتيجي يفرض شروطاً واضحة لتوطين التكنولوجيا الفائقة، وبناء البنية التحتية للحوسبة والذكاء الاصطناعي على أراضٍ عربية، مما يضمن نقل المعرفة والسيادة الرقمية بدلاً من ترك العوائد التشغيلية حكراً على «سيليكون فالي».

«هيوماين» في الصورة

تتجسد هذه الاستراتيجية الجديدة بوضوح في تحركات شركة «هيوماين» السعودية، المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، التي تُعنى بتقديم قدرات الذكاء الاصطناعي الشاملة عالمياً. فوفقاً للبيان الرسمي الصادر عن الشركة، ضخت «هيوماين» استثماراً استراتيجياً ضخماً بقيمة 3 مليارات دولار في جولة التمويل من الفئة «إي» (Series E) لصالح شركة «إكس إيه آي»، وهو الاستثمار الذي تم في منعطف تاريخي يسبق مباشرة عملية الاستحواذ والاندماج الأكبر التي نفذتها «سبيس إكس» في أوائل فبراير (شباط) الماضي، لتتحول بموجبها حصة «هيوماين» بالكامل إلى أسهم ملكية معلنة ومباشرة في الكيان الأم (سبايس إكس) بصفتها مساهماً رئيسياً بحصة أقلية ذات ثقل استراتيجي.

يقف زوار عند جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (أ.ف.ب)

ويكشف البيان الصحافي أن هذه الشراكة الاستثمارية لم تكن وليدة اللحظة؛ بل جاءت بناءً على اتفاقية شراكة واسعة النطاق تم توقيعها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 خلال «منتدى الاستثمار الأميركي - السعودي»؛ وبموجبها التزمت «هيوماين» و«إكس إيه آي» بالتطوير المشترك لبنية تحتية ومراكز بيانات للجيل القادم من الذكاء الاصطناعي بقدرة حوسبة تتجاوز 500 ميغاواط، بالإضافة إلى توطين ونشر نماذج «غروك» المتطورة داخل السعودية. حينها، أكد الرئيس التنفيذي لشركة «هيوماين»، طارق أمين، أن هذا الاستثمار يمثل ترجمة عملية لقدرة الشركة على ضخ رؤوس أموال ضخمة خلف منصات تكنولوجية استثنائية تجمع بين التميز التقني والرؤية بعيدة المدى، مشيراً إلى أن الاندماج بين «إكس إيه آي» والبنية التحتية الهائلة لـ«سبايس إكس»، يخلق منصة فريدة للنمو المتسارع وبناء قيمة استثمارية ممتدة تشمل 4 محاور رئيسية: مراكز تكنولوجيا الجيل القادم، والسحابة الفائقة، والنماذج المتقدمة، والحلول التحولية للذكاء الاصطناعي.

وعلى النحو ذاته، صاغت الإمارات تحالفها التكنولوجي؛ حيث ضمنت أبوظبي مقعداً استراتيجياً عبر ذراعها التكنولوجية المتخصصة (MGX) بالتعاون مع شركة «جي 42» في الكيانات المدمجة التابعة لماسك، بالتزامن مع المضي قدماً في بناء مجمع مراكز البيانات الضخم في أبوظبي، والمستند إلى شراكات استراتيجية موازية شملت التزاماً استثمارياً من شركة «مايكروسوفت» بقيمة 15.2 مليار دولار لصالح شركة «خزنة» التابعة للمجموعة.

صورة لسوق ناسداك بعد أن قرع مسؤولو «سبايس إكس» جرس الافتتاح احتفالاً بإطلاق الاكتتاب العام الأولي لأسهم الشركة في نيويورك (أ.ف.ب)

الهندسة المالية والرهان على الفضاء

تُميط البيانات الرسمية التي أوردتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية اللثام عن خطة الصرف الدقيقة لأموال الاكتتاب؛ حيث سيتم فوراً استقطاع 20 مليار دولار من الحصيلة الإجمالية لسداد قرض جسري (Bridge Loan) كانت المجموعة قد سحبته في مارس (آذار) الماضي، لتغطية الديون الناتجة عن دمج أعمال إيلون ماسك للذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي (إكس إيه آي وإكس)، تحت المظلة المالية لـ«سبايس إكس».

أما بقية السيولة، التي تسهم فيها التدفقات النقدية والمليارات الخليجية بشكل وازن بصفتها في صدارة دفتر المكتتبين، فستوجه لتمويل قفزة النمو المقبلة. وعلى رأس هذه التطلعات، يأتي مشروع ماسك الثوري الذي كشف عن تفاصيله لرئيس بنك «جي بي مورغان» خلال الجولة الترويجية للاكتتاب ونشرته الصحيفة البريطانية، والمتمثل في إنشاء «مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء الخارجي» عبر إطلاق أقمار اصطناعية عملاقة يبلغ طول جناحها 70 متراً، وذلك بوصفه حلاً استراتيجياً ومبتكراً للتغلب على قيود ومحدودية موارد طاقة الكهرباء على كوكب الأرض.

ثقة فولاذية

ما يجعل هذا التموضع الخليجي مثيراً لاهتمام الأوساط المالية في «وول ستريت»، أن الحسابات والبيانات الرقمية الحالية لشركة «سبايس إكس» تنطوي على معادلات استثمارية استثنائية بموجب القواعد التقليدية للسوق؛ فالشركة طُرحت للاكتتاب العام بالتزام مالي يتضمن سداد قرض بقيمة 20 مليار دولار قبيل الطرح لتغطية التزامات الشركات المدمجة (إكس إيه آي وإكس) تحت المظلة الموحدة لـ«سبايس إكس».

مسؤولون «سبايس إكس» يحتفلون بقرع جرس افتتاح التداول في بورصة ناسداك إيذاناً بإطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة (أ.ف.ب)

والأكثر تميزاً في مشهد الطرح، هو تقييم الشركة الذي يعادل 92 ضعفاً لإيراداتها السنوية البالغة 19 مليار دولار؛ ولتبسيط هذا الرقم، فإن الأعراف المالية السائدة تصنف الشركات الكبرى عادةً بناءً على تقييمات لحظية ترتبط بالإيرادات المباشرة، مما يضع القيمة السوقية لـ«سبايس إكس» في مرتبة متقدمة وفريدة بين أكبر تكتلات التكنولوجيا في العالم مقارنة بحجم عملها الحالي.

ورغم هذه الحسابات الدفترية التقليدية، وصفت الأوساط المصرفية توجه الصناديق السيادية والمكاتب العائلية الخليجية بأنها رؤية استراتيجية نافذة عابرة للمخاوف النمطية للأسواق؛ إذ كشف مديرو الاستثمار لصحيفة «فاينانشال تايمز» أنهم عرضوا على عملائهم الخليجيين خيارات «التحوط المالي»، بوصف ذلك إجراء وقائياً تقليدياً مع بدء التداول، إلا أن الجميع رفض التحوط تماماً.

هذا الموقف يعكس تحولاً ناضجاً في العقلية الاستثمارية للمنطقة، التي لم تعد تكتفي بالقراءات والمؤشرات اللحظية؛ بل باتت ترتكز على «اقتناص الفرص الاحتكارية للمستقبل»، استناداً لتوقعات بنك «غولدمان ساكس» (مدير الاكتتاب الرئيسي) الذي تنبأ بقفزة بمقدار 100 ضعف في عوائد الذكاء الاصطناعي للشركة لتصل إلى 322 مليار دولار بحلول عام 2030، لتهيمن على سوق عالمية مستهدفة قيمتها 28.5 تريليون دولار.

وفي المحصلة، أثبت اكتتاب «سبايس إكس» التاريخي أن صناديق المنطقة باتت شريكاً استراتيجياً يملك القدرة على فرض شروط تشغيلية، وتوطين تكنولوجيا المستقبل، وصياغة مشهد جيوسياسي مالي جديد يمتد أثره من عمق صحاري الشرق الأوسط إلى الفضاء الخارجي.


حصص صغيرة وأحلام كبيرة... كيف اقتنص صغار المستثمرين كعكة «سبايس إكس»؟

موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة «ناسداك» (أ.ف.ب)
موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة «ناسداك» (أ.ف.ب)
TT

حصص صغيرة وأحلام كبيرة... كيف اقتنص صغار المستثمرين كعكة «سبايس إكس»؟

موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة «ناسداك» (أ.ف.ب)
موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة «ناسداك» (أ.ف.ب)

في خطوة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، شهد يوم الجمعة إقبالاً منقطع النظير من صغار المستثمرين والمستثمرين الأفراد الذين تهافتوا للفوز بحصة في الاكتتاب العام الأضخم لشركة «سبايس إكس». وبين ترقب لرسائل البريد الإلكتروني وتدقيق في الحسابات الاستثمارية لمعرفة حجم الأسهم المخصصة لهم، اندفع آخرون مباشرة نحو السوق المفتوحة منذ الدقيقة الأولى لبدء التداول، مدفوعين بشغف استثماري وثقة عمياء بمستقبل الشركة العملاقة.

منذ البداية، رسمت «سبايس إكس» مع مديري الاكتتاب خطة مغايرة للعرف السائد في «وول ستريت»، حيث تقرر تخصيص ما يصل إلى 30 في المائة من الأسهم المطروحة للمستثمرين الأفراد، مما جعل تحفيز هذه الفئة وجمع طلبات الشراء ركيزة أساسية لنجاح الطرح. ورغم المنافسة الشديدة التي جعلت الحصول على حصة أمراً بالغ الصعوبة، فإن ذلك لم يثنِ الراغبين في الشراء؛ بل دفع كثيراً منهم للاستثمار مباشرة من السوق فور بدء التداول، وفق «رويترز».

وفي هذا السياق، يقول جوزيف غوتينز، وهو محقق متقاعد من وكالة «ناسا» يعمل حالياً في المحاماة: «أنا سعيد جداً بما تمكنت من الحصول عليه». غوتينز، الذي لم يتقدم بطلب تخصيص مسبق في الاكتتاب، سارع لشراء أسهم بقيمة 100 ألف دولار بسعر 161 دولاراً للسهم يوم الجمعة، وأضاف بحماس: «إنه استثمار رائع، وسواء ربحت أم خسرت، فأنا سعيد بمجرد الاستثمار في هذه الشركة».

جدارية مستوحاة من إيلون ماسك في يوم طرح أسهم «سبايس إكس» للاكتتاب العام الأولي (رويترز)

دعم جماهيري جارف

كان هذا الإقبال الهائل من الأفراد المحرك الأساسي وراء القفزة السعرية لسهم «سبايس إكس»، الذي ارتفع بنسبة 19 في المائة في أول أيام تداوله. ويعلق آرت هوغان، الاستراتيجي الاستثماري في شركة «بي رايلي ويلث» ببوسطن، قائلاً: «هذه الحصة المخصصة للتجزئة هي الأعلى على الإطلاق مقارنة بما رأيته طوال عقودي في (وول ستريت). إنها الشيء الجديد والأكثر بريقاً وجذباً للمستثمرين الأفراد حالياً».

ومن جهتها، أعلنت منصة «سوفي» (SoFi) لخدمات الوساطة المالية أن هذا الطرح أصبح «الأكبر والأكثر طلباً على منصتها حتى الآن»، مؤكدة أن جميع الأفراد الذين استوفوا معايير المنصة حصلوا على حصة من الأسهم.

وقد شكل صافي مشتريات الأفراد من أسهم «سبايس إكس» نحو 4 في المائة من إجمالي حركة دوران أسهم الشركات الفردية يوم الجمعة، بمجموع تدفقات بلغ 453 مليون دولار، وهو ما يعادل 3.5 ضعف حجم التداول على أسهم شركة «إنفيدياً» التي حلت في المرتبة الثانية.

وأشارت شركة «فاندا ريسيرش»، المتخصصة في تتبع نشاط المستثمرين الأفراد، إلى أن سهم «سبايس إكس» قفز إلى المرتبة الثانية في قائمة الأسهم الأكثر شراءً خلال أول 20 دقيقة فقط من التداول، ليتصدر المركز الأول بحلول منتصف النهار، متفوقاً بفارق شاسع على جميع منافسيه.

تخصيصات دون الطموح

على الجانب الآخر، تسببت شدة الطلب في حصول كثير من المستثمرين على حصص أقل بكثير مما طلبوه. وعبّر بعضهم على منصة «ريديت» عن خيبة أملهم؛ حيث كتب أحدهم: «طلبت 250 سهماً ولم أحصل على شيء»، بينما أضاف آخرون: «طلبت 555 سهماً وحصلت على 10 فقط»، و«طلبت 1000 وحصلت على 85».

وكان إيلون ماسك، مؤسس الشركة، والذي قد تُوّج بفضل هذا الاكتتاب التاريخي بوصفه أول تريليونير في العالم، قد تعهد في عام 2024، بأنه في حال طرح أي من شركاته الخاصة للاكتتاب، فإنه سيضمن الأولوية للمستثمرين الأفراد، خصوصاً مساهمي شركته الأخرى «تسلا»، مؤكداً حينها في منشور على منصة «إكس»، أن «الولاء يستحق الولاء».

إيمان بالقصة ورفضٌ للتحوط

تتوالى المؤشرات على مدى التزام المستثمرين وشغفهم بمستقبل الشركة؛ إذ صرح كلينت سورينسون، رئيس الاستثمار في مؤسسة «أسينتيس لإدارة الأصول»، بأنه عرض على جميع عملاء شركته (الذين استثمروا في «سبايس إكس» عبر صناديق خاصة قبل الاكتتاب العام) فرصة التحوط لحماية استثماراتهم وتقليل المخاطر بعد أن أصبح السهم متداولاً علناً، إلا أن أحداً لم يقبل العرض.

وقال سورينسون مخبراً «رويترز»: «الجميع يريد الاحتفاظ بالأسهم والاحتفال باللحظة حالياً؛ لا أحد يريد حتى التفكير في التحوط من المخاطر، لأن إيمانهم بقصة نجاح الشركة ومستقبلها أعمق بكثير».