بين «روح الحوار» و«أميركا أولاً»... ترمب يفرض إيقاعه على أعمال «دافوس»

ترقّب لنتائج اجتماع «مجلس سلام» غزة... وتوتّر أوروبي من «أزمة غرينلاند»

ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)
ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)
TT

بين «روح الحوار» و«أميركا أولاً»... ترمب يفرض إيقاعه على أعمال «دافوس»

ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)
ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (أ.ف.ب)

قبل عام من اليوم، أطلّ دونالد ترمب على جموع «دافوس» عبر شاشة عملاقة مُبشّراً بـ«عصر أميركا الذهبي» وملوّحاً بسلاح «الرسوم» دون تمييز بين الحلفاء والخصوم.

ورغم إطلاقه التهديد من على بُعد آلاف الكيلومترات، بعد ثلاثة أيام فقط من أدائه اليمين لولاية ثانية، فإن صدى خطاب الرئيس كان مدوّياً بين رؤساء كبرى الشركات المحتشدين في بلدة التزلج المعلّقة على قمم الألب السويسرية.

اليوم، عشية انطلاق أعمال الدورة الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي تحت شعار «روح الحوار»، عاد الرئيس الأميركي للتلويح بالرسوم، مستهدفاً هذه المرّة حلفاءه الأطلسيين.

شرطيان خارج مقر وفد الولايات المتحدة عشية انطلاق أعمال دافوس، يوم 18 يناير (أ.ب)

ويتوقّع أن يحمل ترمب لرواد «دافوس 2026» رسالة أوسع من التجارة، تمتد إلى ترسيخ النفوذ الأميركي وإعادة رسم التوازنات الدولية. فمن سعيه للسيطرة على غرينلاند، إلى «إدارته» فنزويلا عن بُعد عقب اعتقال رئيسها، يتحدّى الرئيس الأميركي الـ47 أسس القانون الدولي - الذي ساهمت بلاده في صياغته وترسيخه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقد يبدو ترمب، بسياساته الانعزالية وانسحابه من عشرات الاتفاقيات الدولية، على طرف النقيض من رسالة المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يرفع التعاون متعدد الأقطاب شعاراً تأسيسياً له. إلا أن مشاركته قوبلت في الواقع بترحيب، بل وارتياح، من المنظّمين والمشاركين على حدّ سواء، خصوصاً في ظل الشكوك التي خيّمت في السنوات الأخيرة على مستقبل المنتدى وقدرته على الاحتفاظ بدوره منصة مؤثّرة وجامعة للنخب العالمية. وإلى جانب الرئيس الأميركي - وربّما بفضله - تنطلق أعمال المنتدى مساء الاثنين؛ بمشاركة قياسية تُعدّ الأعلى منذ تأسيسه في سبعينيات القرن الماضي.

منتدى «تاريخي»

ينعقد المنتدى الاقتصادي هذا العام في لحظة مفصلية تُوصف بالتاريخية، على خلفية ثورة تكنولوجية غير مسبوقة فرضت تغييرات جوهرية في جميع قطاعات الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، والنظام المالي. وبينما يخصّص المنتدى جزءاً كبيراً من جلساته لبحث فرص وتحديات الذكاء الاصطناعي وسبل تأطيره وفق أنظمة مرنة، تتّجه الأنظار إلى ثورة موازية يقودها الرئيس الأميركي على الساحة الدولية.

عامل يقوم بتركيب شعار في مركز المؤتمرات قبل انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (إ.ب.أ)

ويستعدّ حلفاء ترمب الأوروبيون لجولات محادثات صعبة مع «الأخ الأكبر»، حول حرب أوكرانيا وطموحات واشنطن المتصاعدة في جزيرة غرينلاند القطبية التابعة للتاج الدنماركي.

أما منطقة الشرق الأوسط، فتترقّب نتائج أول اجتماع لـ«مجلس السلام» بشأن غزّة، والذي يتوقع أن يترأسه ترمب على هامش المنتدى. ويضم «مجلس السلام» وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، وجاريد كوشنر، إلى جانب عدد من الشخصيات الاقتصادية الدولية، من بينهم الملياردير مارك روان، وأجاي بانغا رئيس مجموعة البنك الدولي، وجميعهم يشارك في المنتدى الاقتصادي. وأفاد البيت الأبيض بأن الإعلان عن أسماء إضافية في اللجنة سيتم خلال الأسابيع المقبلة، وسط تسريبات عن احتمال توسيع صلاحياتها لتشمل ملفات أخرى، بدءاً من فنزويلا.

إلى جانب غزّة، من المتوقّع أن تُطرح التطورات في إيران على جدول اجتماعات الرئيس الأميركي. وبينما خفّف ترمب من حدّة تهديداته بحق النظام في طهران عقب قمع مظاهرات شعبية هي الأوسع منذ سنوات وسقوط مئات - إن لم يكُن آلاف القتلى -، لم يواكب ذلك أي تراجع في مستوى الحشد العسكري الأميركي في المنطقة، فيما تتواصل الترجيحات الإعلامية لـ«ضربة أميركية» محتملة.

مشاركة قياسية

تنعقد أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا العام وسط مشاركة قياسية تعكس استمرار قدرة «دافوس» على استقطاب صانعي القرار في لحظة اضطراب دولي غير مسبوقة.

وبقيادة ترمب الذي يشارك حضورياً للمرة الأولى في ولايته الثانية، يُسجّل المنتدى مشاركة أكبر وفد أميركي في تاريخه، يضم خمسة وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى.

رئيس الأرجنتين خافيير ميلي أثناء إلقائه كلمته في منتدى دافوس، في يناير 2025 (أ.ف.ب)

كما يشهد المنتدى مشاركة ستة من قادة مجموعة السبع، هم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريتش ميرتس، ورؤساء وزراء بريطانيا كير ستارمر، وكندا مارك كارني، وإيطاليا جيورجيا ميلوني. ومن الصين، يترأس نائب رئيس الوزراء هي ليفانغ وفداً كبيراً، فيما يشارك كذلك الرئيس الأرجنتيني والحليف المقرّب من ترمب خافيير ميلي، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.

على مستوى المنطقة، يشهد المنتدى مشاركات لافتة، من بينها المشاركة الأولى للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والمشاركة الأولى على الإطلاق لأي رئيس سوري، ممثلاً بأحمد الشرع، وذلك بعد عام واحد فقط على سقوط نظام بشار الأسد.

كما تشارك السعودية بوفد رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ويضم الأميرة ريما بنت بندر سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة، ووزير التجارة ماجد القصبي، ووزير السياحة أحمد الخطيب، ووزير الاستثمار خالد الفالح، ووزير المالية محمد الجدعان، ووزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله السواحه، ووزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريّف، ووزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم.

ومن القطاع الخاص، يشارك أكثر من 850 من كبار الرؤساء التنفيذيين ورؤساء مجالس الإدارات حول العالم، أبرزهم لاري فينك الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، وجيمي ديمون الرئيس التنفيذي لبنك «جي بي مورغان»، وساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت».

«أميركا أولاً» على الساحة الدولية

أثارت مشاركة الرئيس الأميركي في «دافوس» جدلاً بين فريقه. فمن جهة، حذّر أنصار «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً) من تعارض أعمال «دافوس» ومبادئه مع شعار «أميركا أولاً»، في وقت لا تزال أزمة غلاء المعيشة تتصدّر اهتمامات ملايين الأميركيين.

ترمب متحدثاً عبر الفيديو إلى المشاركين في منتدى دافوس، يناير 2025 (إ.ب.أ)

ومن جهة أخرى، شجّع مستشارون أقرب للجناح التقليدي للحزب الجمهوري الرئيس على حمل هذا الشعار إلى الساحة الدولية، عبر مشاركة أميركية «تُعيد فرض احترام» واشنطن وتعكس نفوذها.

ولإرضاء الفريقين، قرّرت الإدارة الأميركية إقران المحلّي بالدولي، إذ يُتوقّع أن يوجّه ترمب جزءاً من خطابه أمام «نخب دافوس» لقاعدته الانتخابية، عبر الكشف عن إصلاح جوهري لسياسة الإسكان.

وأعلن مدير المجلس الاقتصادي الوطني كيفن هاسيت أن الرئيس الأميركي سيتيح لملايين الأميركيين استخدام جزء من مدّخراتهم ضمن برامج التقاعد لتأمين دفعة أولى لشراء مساكن اقتصادية.

متظاهر يحتج على مشاركة الرئيس الأميركي في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، يوم 18 يناير (أ.ف.ب)

وإلى جانب هذا الإعلان الاقتصادي، يتركّز اهتمام رواد دافوس على البعد السياسي لخطاب ترمب، وما قد يحمله من رسائل تتحدى أسس النظام العالمي القائم، إضافة إلى لهجة العتب - التي باتت أقرب إلى التهديد - تجاه الحلفاء الأوروبيين وبعض كبار التنفيذيين، على خلفية ملفات من بينها فنزويلا وقضايا جيوسياسية أخرى.

وعلى هامش المنتدى، يُنتظر أن تستضيف دافوس محادثات جانبية محتملة بين الوفد الأميركي والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى جانب حلفاء من مجموعة السبع، حول الضمانات الأمنية لأوكرانيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا. وتحدث زيلينسكي عن اقتراب توقيع «اتفاق» لمح إلى توقيعه في دافوس، مهّدت له كييف وواشنطن عبر تكثيف الاتصالات في الأيام الماضية.

دافوس بعد «البروفسور»

وفي موازاة هذا الزخم السياسي والاقتصادي، ينعقد المنتدى الاقتصادي العالمي للمرة الأولى منذ 56 عاماً في غياب مؤسسه ومنظّره كلاوس شواب، الملقّب في أروقة دافوس بـ«البروفسور».

كلاوس شواب خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير 2025 (أ.ف.ب)

استقال شواب في أبريل (نيسان) 2025، بعد أكثر من خمسة عقود على رأس المنتدى، في أعقاب تحقيقين في أسلوب إدارته للأعمال. ورغم عدم ثبوت أي مخالفات جنائية، أثار التحقيق تساؤلات حول الحوكمة داخل مؤسسة ترفع شعار الشفافية والمسؤولية، وفق ما نقلت صحيفة «فاينانشال تايمز» عن مقرّبين منه.

موظف يحمل لافتة «جائزة مؤسسة شواب» عشية انطلاق أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (إ.ب.أ)

وفيما تعهّد المنتدى بإصلاحات مؤسسية شملت تعزيز الرقابة والامتثال، أعلن تعيين قيادة انتقالية برئاسة كلّ من الملياردير المؤثّر لاري فينك، وأندريه هوفمان نائب رئيس مجلس إدارة شركة «روش» السويسرية، في محاولة لاستعادة الثقة وإعادة تثبيت دافوس في مرحلة مفصلية من تاريخه.

تحديات جيوسياسية

يأتي انعقاد المنتدى هذا العام على وقع تحذيرات ثقيلة أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في تقريره السنوي «مخاطر العالم 2026»، الذي خلُص إلى أن المواجهة الجيو-اقتصادية تتصدّر قائمة المخاطر العالمية هذا العام، في ظل تسارع المخاطر الاقتصادية على المدى القصير، ولا سيما التباطؤ الاقتصادي والتضخم.

شعار المنتدى الاقتصادي العالمي قبل انعقاد الاجتماع السنوي للمنتدى في دافوس (إ.ب.أ)

ويشير التقرير إلى أن نصف الخبراء المستطلعين يتوقعون عالماً «مضطرباً أو عاصفاً» خلال العامين المقبلين، مقابل 1 في المائة فقط يرون أُفقاً هادئاً، ما يعكس حالة عدم اليقين العميقة التي تحيط بالاقتصاد والسياسة الدوليين.


مقالات ذات صلة

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

تحليل إخباري من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العالمية الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

يضع هذا التناقض الجذري صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

أنطوان الحاج
الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.


هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
TT

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، في حين قال رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إن الأزمات التي تمر بها البلاد «مفتعلة».

وأدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة» في السودان، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» تحركات شبه يومية في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، نظراً لتكالب التجار والمستوردين على الدولار من السوق السوداء، وسط نقص كبير في السوق الرسمية.

وقال البرهان في زيارة إلى منطقة العيلفون التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن وسط العاصمة الخرطوم، إن هناك مؤامرات تحاك ضد الوطن، محذراً من أن الدولة لن تتسامح مع أي شخص يهدد حياة المواطنين.

وأشار في خطابه إلى أن الأزمات في الكهرباء والوقود تتم بفعل فاعل.

وتعاني مناطق واسعة في البلاد من نقص حاد في التيار الكهربائي والوقود، إضافة إلى غلاء في أسعار المواد الغذائية، وسط تحذيرات من ارتفاع معدلات التضخم تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر في البلاد.

ويشكو مواطنو الخرطوم من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتدافع أصحاب السيارات الخاصة ومركبات النقل داخل محطات تعبئة الوقود جراء نقص الكميات المستوردة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان (إكس)

يأتي حديث البرهان بعد ساعات قليلة من إعلان مجلس الوزراء السوداني، بقيادة كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية (الغازولين والبنزين) لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف.

وفي هذا الصدد قال وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، إن جهات الاختصاص ممثلة في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، عليها إنفاذ القرار.

وأضاف أن مجلس الوزراء أصدر توجيهات للأجهزة الأمنية لاتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني.

تزايد الصعوبات المعيشية

أدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة»، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ويدفع النقص الكبير في الاحتياطي النقدي للعملات في البنك المركزي التجار والمستوردين إلى الشراء من «السوق السوداء»، في وقت تتحرك فيه مؤشرات سعر الصرف الرسمي وفي السوق السوداء يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً.

وقال متعاملون في العملة لــ«الشرق الأوسط»: «مؤشرات سعر الصرف تتحرك يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً... بلغ سعر الدولار الواحد 4700 جنيه، بينما أعلى سعر لامسه 4800 جنيه».

وقال تاجر في السوق الموازية (السوداء): «الأسعار غير ثابتة وتتحرك على مدار اليوم»، مضيفاً: «نفذنا عمليات بيع مقابل 4840 جنيهاً للدولار»، مشيراً إلى أن بعض التحويلات الخارجية وصلت إلى قرابة 6000 جنيه للدولار الواحد.

وعزا انخفاض العملة الوطنية إلى قلة العرض وزيادة الطلب الكبير على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تعرّض الاقتصاد السوداني لصدمات موجعة جراء تدمير البنية التحتية للصناعة وشلل كبير في حركة التجارة.

وحذر خبراء اقتصاديون في وقت سابق من أن هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني، وحالة من الركود والانكماش وتضخم حاد ستنعكس آثاره مباشرة على رفع تكلفة المعيشة بزيادة أسعار السلع.

وأدخلت الحرب نصف سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليوناً إلى دائرة الاحتياجات للمساعدات الإنسانية.

ويعاني السودان من ضغوط اقتصادية كبيرة، بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية بالنفط ومصادر الطاقة التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من الكهرباء والوقود.


الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير (كانون الثاني)، صُهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة البيع.

فقد ظهرت ساعة من طراز «كونستليشن» من «أوميغا» في الحملات الإعلانية والأفلام وفي حفل «ميت غالا» الشهير، حيث ارتداها نجوم مثل جورج كلوني ونيكول كيدمان، مما جعلها رمزاً للرفاهية والأناقة.

ووفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع أكثر من 10 تجار وخبراء في القطاع ومستشارين استثماريين، فإن الأنواع المستعملة من علامات تجارية مثل «أوميغا» و«تاج هوير»، التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، هي الأكثر تضرراً من هذا التوجه.

وصهر التاجر البريطاني جون وايت من شركة «غولد تريدرز» ساعة «كونستليشن» من عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي وكانت بحالة ممتازة في مايو (أيار)، لتكون واحدة من عشرات الساعات الفاخرة الشائعة التي صهرها هذا العام مع ارتفاع الطلب على الذهب بصفته أداة استثمارية.

وقال وايت، الذي يدير أيضاً دار مزادات، لـ«رويترز»: «ساعة جميلة. لكن في الواقع، ماذا كان سيحقق العميل لو عرضها في مزاد؟».

آدم هول كبير مسؤولي الصهر يضع الذهب القديم بما في ذلك الساعات الفاخرة في فرن لصهرها بشركة «هاتون غاردن ميتالز» في لندن (رويترز)

وأضاف أن قيمة الذهب الموجودة في ساعة «كونستليشن» تلك -وهي واحدة من عدة طرز تنتجها شركة «أوميغا» التابعة لمجموعة «سواتش»- بلغت نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً (7749 دولاراً)، أي أعلى بنسبة 35 في المائة من قيمتها التقديرية في المزاد التي تتراوح بين 4 آلاف و4500 جنيه إسترليني.

وقال مؤسس وحدة الساعات المستعملة «أنالوغ شيفت» التابعة لشركة «ووتشز أوف سويتزرلاند»، جيمس لامدين، إن عمليات الصهر «تتركز بشكل رئيسي على الساعات الحديثة المستعملة، وكذلك في الساعات الكلاسيكية الأقدم التي لا تُعدّ ضمن القطع القابلة للاقتناء».

الذهب السائل

ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 5600 دولار للأوقية (الأونصة) في يناير، إذ دفعت المخاوف الجيوسياسية والتجارية المتعاملين نحو المعادن الثمينة التي تُعدّ ملاذاً آمناً. ويحوم سعر الذهب حالياً حول 4200 دولار للأوقية، أي ما يقارب ضعف متوسط سعره في عام 2024.

ومع ذلك، لم يتحرك سعر السوق للساعات المستعملة بالطريقة نفسها. ولا توجد أرقام رسمية توضح عدد الساعات الفاخرة التي يجري صهرها. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن إجمالي إعادة تدوير الذهب في الربع الأول ارتفع 5 في المائة إلى 366 طناً، في حين ارتفع الطلب على الحلي الذهبية 31 في المائة من حيث القيمة ليصل إلى 47 مليار دولار.

ومع توقع وصول سعر الذهب إلى ما بين 5400 و6300 دولار للأوقية هذا العام، ستستمر الضغوط لتفكيك بعض الساعات، خصوصاً أن المتعاملين الذين يعيدون بيعها يجب أن يغطوا التكاليف ونفقات تقديم الضمان.

ويمكن أيضاً صهر الساعات الجديدة التي أُنتجت بكميات زائدة.

ساعات فاخرة قديمة قبل وضعها في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها (رويترز)

وقال لامدين: «رأيت الكثير من الساعات العادية تماماً يتم صهرها... هناك الكثير من المخزون الزائد غير المبيع في السوق السويسرية. وهذه الساعات هي في الأساس جديدة تماماً، لم يستعملها أحد، ويتم تفكيكها فقط... لقد صنعوا منها أكثر من اللازم».

وتابع: «لكن عندما يكون لديك شيء عتيق ونادر ويحمل قصة أو طابعاً خاصاً بفعل الزمن، فإن التخلص منه يصبح أمراً مؤسفاً ناتجاً عن قصر النظر».

«نبيع أم ننتظر؟»

دفعت أسعار الذهب المرتفعة المهندس المتقاعد من نيويورك ميتشل تاليسمان إلى بيع ساعتين ذهبيتين وسلسلة تحتوي على 35 غراماً من الذهب بنسبة نقاء 58 في المائة مقابل 2660 دولاراً نقداً في ديسمبر (كانون الأول). وقال لـ«رويترز»: «كان لديّ الكثير من الأشياء في خزينة بنكية لأكثر من 10 سنوات».

لكن بالنسبة إلى بعض المالكين، فإن فكرة بيع ساعة فقط ليقوم تاجر بصهرها لا تحتمل. وقال أدريان هيلوود المتخصص في تاريخ صناعة الساعات: «قد تكون قطعة عائلية.. قد تكون ساعتهم الأولى». وأضاف «لا تروق لهم فكرة إتلافها، لذا يحتفظون بها».


«المركزي» الألماني يرجح استمرار ارتفاع الأسعار حتى حال انتهاء حرب إيران

أشخاص يسيرون بجوار كشك لبيع الكباب والنقانق في أحد شوارع برلين (رويترز)
أشخاص يسيرون بجوار كشك لبيع الكباب والنقانق في أحد شوارع برلين (رويترز)
TT

«المركزي» الألماني يرجح استمرار ارتفاع الأسعار حتى حال انتهاء حرب إيران

أشخاص يسيرون بجوار كشك لبيع الكباب والنقانق في أحد شوارع برلين (رويترز)
أشخاص يسيرون بجوار كشك لبيع الكباب والنقانق في أحد شوارع برلين (رويترز)

قال محافظ البنك المركزي الألماني، يواخيم ناغل، إنه من المرجح أن تظل الأسعار مرتفعة لفترة طويلة، حتى إذا انتهت حرب إيران قريباً.

وأضاف ناغل في مقابلة مع إذاعة «دويتشلاند فونك»: «قد لا نعود حتى إلى البناء على البيانات التي كانت لدينا قبل هذا الصراع، لأن من الواضح أن سلاسل الإمدادات قد تغيرت، وقد تزيد أيضاً أخطار التأمين البحري»، مشيراً إلى الرسوم التي ربما تتم المطالبة بها لنقل البضائع عبر مضيق هرمز، حسب ما نقلته وكالة «بلومبرغ».

ورفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة يوم الخميس، للمرة الأولى منذ 2023، في خطوة وصفها ناغل بالضرورية نتيجة زيادة الأسعار في ضوء الصراع. رافضاً النقد الموجه الذي يفيد بأنها قد تعيق النمو الاقتصادي.

وقال محافظ المركزي الألماني أوائل الأسبوع الحالي إن البنك مستعد أيضاً لرفع أسعار الفائدة مجدداً في يوليو (تموز) المقبل.

وارتفعت أسعار المستهلكين في منطقة اليورو بواقع 3.2 في المائة في مايو (أيار) بينما تراجع نشاط الشركات.

على صعيد آخر، أظهر استطلاع للرأي أن ما يقرب من ثلث السائقين في ألمانيا باتوا يمتنعون بصفة متكررة عن قيادة سياراتهم بسبب ارتفاع أسعار الوقود الناجم عن حرب إيران.

وأفاد مصرف «تيم بنك»، استناداً إلى مؤشره الدوري للسيولة المالية، بأن نسبة مَن قللوا استخدام سياراتهم بلغت نحو الثلث، وأضاف: «بين من هم دون سن الثلاثين تصل النسبة إلى 35 في المائة».

وأشار البنك إلى أن 41 في المائة من المشاركين في الاستطلاع أفادوا بأن الأموال المتاحة لهم بعد خصم النفقات الثابتة مثل الإيجار والكهرباء أصبحت أقل خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وأجرى معهد «يوجوف» لأبحاث السوق الاستطلاع وشمل أكثر من 3 آلاف شخص.

وقال الرئيس التنفيذي لـ«تيم بنك»، كريستيان بولنتس: «أسعار الوقود تمثل بالنسبة لكثير من الناس المقياس الحقيقي لهم فيما يتعلق بالتضخم، هذا المقياس يشهد حالياً ارتفاعاً واضحاً». وينتمي البنك إلى مجموعة المؤسسات المالية التعاونية.

ولدى سؤال المشاركين عن المجال الذي يمكنهم فيه خفض نفقاتهم الشهرية بمقدار 100 يورو، اختار واحد من بين كل خمسة أشخاص قطاع السيارات والوقود وتأمين المركبات.

وأضاف البنك: «ارتفعت الرغبة لدى من تجاوزوا الخمسين من العمر في التوفير في هذا المجال، بمقدار ست نقاط مئوية منذ سبتمبر (أيلول) 2025، وهو أكبر ارتفاع بين جميع الفئات العمرية».

وفيما يتعلق بالإجراءات السياسية المفضلة، أيد كثيرون خفض ضريبة القيمة المضافة. وأوضح البنك أن «47 في المائة يعتقدون أن ذلك سيؤدي إلى تحسن ملموس في أوضاعهم المالية، بينما أشار 32 في المائة إلى وضع سقف لأسعار الوقود».

وساهم الخصم المطبق على الوقود منذ مايو الماضي في الحد من موجة التضخم في ألمانيا. وقد ارتفعت أسعار المستهلكين في مايو بنسبة 2.6 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بعد أن كانت الزيادة 2.9 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي.

وحسب بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي في فيسبادن، ارتفعت أسعار منتجات الطاقة في مايو بنسبة 6.6 في المائة مقارنة بالعام السابق، مقابل زيادة بلغت 10.1 في المائة في أبريل.

غير أن إجراءات التخفيف الحكومية عند محطات الوقود تقترب من نهايتها، إذ ينتهي العمل بخفض ضريبة الطاقة على البنزين والديزل بنحو 17 سنتاً للتر، والمطبق منذ الأول من مايو الماضي، بحلول نهاية يونيو (حزيران) الحالي.