«نيوم» تستعد لإطلاق أول إنتاج تجاري للهيدروجين الأخضر في 2027

مسؤول لـ«الشرق الأوسط»: المشروع تجاوز 80 % من الإنشاءات

TT

«نيوم» تستعد لإطلاق أول إنتاج تجاري للهيدروجين الأخضر في 2027

الرئيس التنفيذي لـ«نيوم للهيدروجين الأخضر» وسام الغامدي (تصوير: تركي العقيلي)
الرئيس التنفيذي لـ«نيوم للهيدروجين الأخضر» وسام الغامدي (تصوير: تركي العقيلي)

تتسارع وتيرة التطور في «نيوم» - التابعة لـصندوق الاستثمارات العامة السعودي- مع اقتراب دخول مشروعي «أوكساغون» و«نيوم للهيدروجين الأخضر» مراحل الإنتاج والتشغيل، ليشكلا معاً محوراً رئيساً في مسار التحول نحو الطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة في المملكة. ويأتي ذلك ضمن جهود تحقيق «رؤية 2030» في إزالة الكربون وتنويع الاقتصاد الوطني، من خلال بناء منظومات صناعية وتقنية متكاملة قائمة على الطاقة المتجددة والابتكار التقني، بما يعزز مكانة «نيوم» كونها مركزاً عالمياً للصناعات المستدامة والتقنيات المستقبلية.

عمليات التشغيل والصيانة

وكشف الرئيس التنفيذي لـ«نيوم للهيدروجين الأخضر» وسام الغامدي أن الشركة تستعد لبدء الإنتاج التجاري في عام 2027، بعد اكتمال مراحل الاختبار والتشغيل خلال عام 2026، موضحاً أن هذا المشروع يمثل أحد أبرز ركائز التحول نحو الطاقة النظيفة في المملكة، ويتماشى مع مستهدفات «رؤية 2030» في إزالة الكربون وتحقيق الحياد الصفري في الانبعاثات.

وأشار إلى أن الشركة هي مشروع مشترك بين «أكوا باور» و«إير برودكتس» و«نيوم»، ويقع موقعها في «أوكساغون»، المدينة الصناعية ضمن مشروع نيوم. ويتألف المشروع من ثلاثة مواقع رئيسة تشمل: محطة إنتاج الهيدروجين في «أوكساغون»، وحقل الطاقة الشمسية الواقع على بُعد نحو 80 كيلومتراً شرقها، إضافة إلى موقع توربينات الرياح في الشمال على بُعد نحو 120 كيلومتراً.

وأوضح في حوار مع «الشرق الأوسط» أن القدرة الإنتاجية الإجمالية للمشروع تبلغ 4 غيغاوات لتغذية محطة الهيدروجين بالطاقة بحلول نهاية عام 2026، على أن يبدأ الإنتاج التجاري في العام التالي 2027. وستكون المحطة قادرة على إنتاج 600 طن من الهيدروجين يومياً، ليُحوَّل إلى 1.2 مليون طن من الأمونيا سنوياً، يتم شحنها عبر ميناء مخصص تابع للمحطة، يضم رصيفاً بحرياً تم بناؤه كجزء من المشروع. وأضاف أن الشركة دخلت مرحلة البناء منذ نحو عامين، وقد تجاوزت حالياً 80 في المائة من مرحلة الإنشاءات، بينما وصلت مزارع الطاقة الشمسية والرياح إلى مراحل متقدمة وجاهزة لتزويد محطة الهيدروجين بالطاقة لأغراض الاختبار والتشغيل خلال عام 2026.

وبيَّن أن الشركة لا تبني المحطة فقط، بل تبني كيانها المؤسسي في الوقت ذاته، حيث بلغ عدد الموظفين حتى اليوم نحو 350 موظفاً، وتم استقطاب الكفاءات المطلوبة لعمليات التشغيل والصيانة وجميع الوظائف الداعمة. كما أطلقت الشركة برامج تعليمية متخصصة لتدريب الخريجين الجدد وتأهيلهم للمشاركة في هذه الصناعة الواعدة.

وأفاد الغامدي بأن وجود الشركة في «أوكساغون» وقرب الميناء من محطة الهيدروجين كان عاملاً جوهرياً في نجاح المشروع، إذ تم استيراد جميع توربينات الرياح عبر ميناء نيوم وخدمات «أوكساغون»، إلى جانب المعدات الرئيسة لمحطة الهيدروجين مثل أوعية تخزين الهيدروجين وصندوق التبريد، وهو من المعدات الأساسية في وحدة فصل الهواء لإنتاج النيتروجين، إضافة إلى العديد من المعدات الأخرى التي وصلت عبر ميناء نيوم و«أوكساغون».

وأشار إلى أن «أوكساغون» توفر للمستثمرين في المنطقة الصناعية منظومة متكاملة تشمل التراخيص والتصاريح، وخدمات الميناء، والخدمات الهندسية واللوجيستية في نيوم، وهو ما مكّن المشروع من تحقيق تقدم كبير في مراحل التنفيذ.

وأكد الرئيس التنفيذي أن ما يتم إنشاؤه اليوم ليس مجرد محطة، بل بداية صناعة جديدة ستصبح نموذجاً عالمياً يبرهن للعالم إمكانية بناء صناعة الهيدروجين على نطاق واسع والانطلاق بها نحو المستقبل.

وفي حديثه عن الأثر الاقتصادي والاجتماعي للمشروع، أوضح أن الشركة ستوفر ما بين 300 إلى 350 وظيفة مباشرة ضمن مشروع «نيوم للهيدروجين الأخضر»، وقد تم بالفعل شغل عدد كبير منها، بالإضافة إلى مضاعف توظيفي يتراوح بين 6 إلى 7 مرات من الوظائف غير المباشرة في القطاعات المساندة.

وتطرق إلى أن وجود المشروع في «نيوم» سيفتح الباب أمام تطوير خدمات القطاعين العلوي والسفلي، مما يعني الحاجة إلى خدمات صناعية مستمرة لدعم صيانة المحطة واستدامتها على المدى الطويل، مؤكداً أن صناعة الهيدروجين في المملكة ستجذب العديد من الشركات المتخصصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والحلول الهندسية، مما يجعلها ركيزة جديدة لتنويع الاقتصاد السعودي.

الفرص المستقبلية

بدوره، أكد الرئيس التنفيذي لـ«أوكساغون» فيشال وانشو أن المشروع يشكل موطن الصناعات المتقدمة والنظيفة في «نيوم»، ويعد أحد المحركات الاقتصادية الرئيسة لها. وأوضح أن العمل في «أوكساغون» يشهد تقدماً كبيراً منذ إطلاق خطته في عام 2021، مشيراً إلى أن المدينة تقع على البحر الأحمر حول ميناء «نيوم»، في موقع استراتيجي يتيح وصولاً ممتازاً إلى العديد من المناطق الجغرافية، خصوصاً أوروبا وأفريقيا، مما يجعلها موقعاً مثالياً لتصدير المنتجات وخدمة السعودية في الوقت ذاته.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن ميناء «نيوم» تم تشغيله بالفعل، وأن الجهود متواصلة لجذب الشركات الصناعية لتأسيس أعمالها في «أوكساغون»، حيث يشكل مشروع «نيوم للهيدروجين الأخضر» أولى المشروعات الكبرى، وهو مشروع ضخم لإنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع. كما أكد أن «أوكساغون» تعمل على بناء منظومة متكاملة للطاقة المتجددة، إلى جانب التوسع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وتعزيز منظومة الذكاء الاصطناعي بشكل عام، وهي من المجالات الأساسية التي تركز عليها المدينة الصناعية.

وأوضح الرئيس التنفيذي أن ميناء «نيوم» يقدم حالياً خدماته لمشروع الهيدروجين الأخضر من خلال توفير المواد وتسليم الشحنات المعقدة، مؤكداً الحماس الكبير للفرص المستقبلية التي يحملها المشروع. كما أشار إلى أن من أولويات «أوكساغون» بناء منظومة شاملة للطاقة المتجددة، مبيناً أن العمل في مجال الهيدروجين الأخضر بدأ منذ نحو أربع سنوات، وتبيّن أهمية تطوير جميع عناصر منظومة الطاقة المتجددة لخدمة المملكة وتمكين قدراتها التصديرية، في ظل التحول الجاري من الطاقة التقليدية إلى الطاقة النظيفة.

وبيّن أن الركائز الثلاث الأولى التي تركز عليها «أوكساغون» تشمل تصنيع تكنولوجيا طاقة الرياح محلياً على نطاق واسع، وتصنيع تكنولوجيا الطاقة الشمسية في مراحلها المتوسطة والنهائية، بما في ذلك الخلايا والوحدات الشمسية والمواد الداخلة في إنتاجها، وهي مصانع ذات طاقة إنتاجية عالية قادرة على تلبية احتياجات المملكة في مجال الطاقة المتجددة وخدمة الأسواق التصديرية. كما لفت إلى أن العمل جارٍ على تطوير تقنيات البطاريات بوصفها عنصراً محورياً في منظومة الطاقة المتجددة، مؤكداً أن المشروع أحرز تقدماً جيداً في هذا المجال.

وفيما يتعلق بالصناعات النظيفة والتقنية، أوضح أن جميع أنشطة «أوكساغون» تدور حول الطاقة المتجددة التي تُعَد بطبيعتها طاقة نظيفة، مؤكداً أن الهدف لا يقتصر على تصنيع مكونات الطاقة المتجددة، بل يتعداه إلى تشغيل جميع الصناعات في «أوكساغون» باستخدام الطاقة المتجددة بالكامل. وأشار إلى أن شركة «نيوم للهيدروجين الأخضر» تُعد من أكبر مشروعات إنتاج الطاقة المتجددة، وتعمل كلياً على الطاقة النظيفة، مما يمكنها من تزويد الصناعات الأخرى في «أوكساغون» بالطاقة ذاتها.

وأضاف أن التركيز في الجانب التقني ينصب على الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن هناك ترابطاً وثيقاً بين الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، نظراً إلى أن أبرز تحدٍ يواجه الذكاء الاصطناعي حالياً هو الاستدامة، كونه مجالاً يستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه لأغراض التبريد. لذلك، تحرص «أوكساغون» على تبني حلول مستدامة، حيث سيعمل مركز البيانات الضخم للذكاء الاصطناعي الذي يتم إنشاؤه في المدينة بالطاقة المتجددة، مع الاعتماد على مياه البحر للتبريد، بما يضمن استدامة العمليات والتقنيات المستخدمة.

وختم بالتأكيد على أن الهدف الرئيس هو المضي قدماً في هذه المناقشات وإنجاز الاتفاقيات لتمكين الشركات من بدء عملياتها، مشيراً إلى أن الخطة تستهدف بدء الإنتاج الصناعي قبل نهاية عام 2026، والوصول إلى مرحلة التصنيع الكامل بحلول عام 2027، في ظل النمو المتسارع الذي تشهده مشروعات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.


مقالات ذات صلة

«التنمية السعودي» يتحرّك لتدويل القطاع الخاص... وتمكين المحتوى المحلي عالمياً

خاص العاصمة السعودية (واس)

«التنمية السعودي» يتحرّك لتدويل القطاع الخاص... وتمكين المحتوى المحلي عالمياً

يقود الصندوق السعودي للتنمية تحرُّكات استراتيجية مكثفة لإشراك القطاع الخاص الوطني في عدد من المشروعات التنموية الكبرى التي يمولها خارجياً.

بندر مسلم (الرياض)
خاص وجهة «الفرسان» في الرياض (حساب الشركة الرسمي على منصة «إكس»)

خاص «الوطنية للإسكان» السعودية... من «ذراع تنفيذية» إلى أكبر مطوّر عقاري في المنطقة

لم تكن رحلة «الشركة الوطنية للإسكان (إن إتش سي)» مجرد إضافة رقمية لقطاع المقاولات، بل كانت تحولاً جذرياً في فلسفة الإسكان في السعودية.

ساره بن شمران (الرياض)
يوميات الشرق تجسّد مشاركة السعودية في المعرض مكانتها المتنامية على الساحة الثقافية الدولية (هيئة الأدب)

السعودية تدشن جناحها ضيف شرف «معرض كوالالمبور للكتاب 2026»

دشَّنت «هيئة الأدب والنشر والترجمة» السعودية، الجمعة، جناح المملكة ضيف شرف «معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026».

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
الخليج وزير الحج السعودي الدكتور توفيق الربيعة لدى لقائه بممثلي الشركات في مشعر مِنى الجمعة (واس)

وزير الحج السعودي يناقش فرص التحسين والاستعداد للموسم المقبل

عقَد الدكتور توفيق الربيعة، وزير الحج السعودي، لقاءً مع ممثلي شركات الحج، بهدف تقييم الأداء، ومناقشة فرص التحسين، والاستعداد المبكر للموسم المقبل.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
خاص منظر عام لمدينة الرياض في الساعات الأولى من المساء (رويترز) p-circle

خاص التشريعات تقود عقارات السعودية نحو النضج وسط مبيعات ربعية بـ1.75 مليار دولار

أكدت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المُدرجة في السوق المالية السعودية (تداول) متانة الأسس التشغيلية للسوق خلال الرُّبع الأول.

محمد المطيري (الرياض)

«علامات استفهام حُمر» تُلاحق تسوية ماسك وهيئة الأوراق المالية الأميركية بشأن «تويتر»

 إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
TT

«علامات استفهام حُمر» تُلاحق تسوية ماسك وهيئة الأوراق المالية الأميركية بشأن «تويتر»

 إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)
إيلون ماسك يسير لحضور جلسة المحاكمة في دعواه القضائية المتعلقة بتحويل «أوبن إيه آي» إلى شركة ربحية في أبريل الماضي (رويترز)

دافعت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC) عن التسوية المالية التي أبرمتها مع الملياردير إيلون ماسك بشأن قضية خرقه قواعد الإفصاح عند شرائه أسهم شركة «تويتر»، مؤكدة أن الاتفاق يعكس «حلولاً وسطاً» بين الطرفَين، ولم تر أي شبهة تواطؤ، وذلك بعد أن لفتت القاضية المشرفة على الملف أن الاتفاق يثير «علامات استفهام حمر».

وأوضحت الهيئة في وثيقة قدمتها إلى المحكمة الفيدرالية في العاصمة واشنطن، أن التسوية -في حال إقرارها نهائياً- ستسمح لماسك بنفي اتهاماتها علناً، وهو ما يعكس تغييراً حديثاً في سياسة الهيئة الحاكمة لقرارات المتهمين الذين يبرمون تسويات في دعاوى إنفاذ القانون.

وبموجب الاتفاق، يلتزم صندوق استئماني (Trust Fund) مسجل باسم ماسك بدفع غرامة مالية قدرها 1.5 مليون دولار لتسوية اتهامات الهيئة بأن أغنى رجل في العالم تأخر لمدة 11 يوماً في شهري مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من عام 2022 للإفصاح عن شرائه حصة في أسهم «تويتر»، مما أتاح له الاستمرار في الشراء بأسعار منخفضة قبل أن ينتبه بقية المستثمرين.

من جانبه، جادل ماسك بأن هذا التأخير في الإفصاح كان غير مقصود، علماً بأنه استحوذ لاحقاً على المنصة بالكامل مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 وغيّر اسمها إلى «إكس».

تحفظات القضاء

وكانت القاضية الفيدرالية سباركل سوكنانان قد صرحت في جلسة استماع عُقدت في 13 مايو (أيار) الماضي بأنها لا يمكنها «المصادقة بشكل أعمى» على هذه التسوية. وتساءلت عن الأسباب التي دعت الهيئة إلى فرض الغرامة على الصندوق الاستئماني بدلاً من شخص ماسك مباشرة، وعن سبب قبولها باسترداد 1 في المائة فقط من الأرباح غير المشروعة المزعومة التي تُقدّر بنحو 150 مليون دولار، مشددة على ضرورة التحقق مما إذا كانت التسوية تخدم المصلحة العامة وخالية من الفساد أو التواطؤ.

رد الهيئة

وفي مذكرة الدفاع التي قدمتها الهيئة، أكدت أن التسوية «عادلة ومعقولة ومناسبة»، ولم تكن وليدة أي تواطؤ غير لائق، بل جاءت نتيجة مفاوضات مباشرة بين المستشارين القانونيين تعكس تنازلات متبادلة. وأضافت أن عقوبة الـ1.5 مليون دولار تُعد الأكبر من نوعها في مثل هذه المخالفات، وأن تسوية الأمر مع الصندوق الاستئماني تتماشى مع الممارسات الأخيرة للهيئة في قضايا مماثلة. وأشارت إلى أن «المصلحة العامة تستفيد من هذا الإجراء الذي يقيّد تحركات ماسك قانونياً في كل مرة يعمل فيها من خلال صندوقه الاستئماني القابل للإلغاء، وهو الأداة الاستثمارية التي يدير عبرها معظم ثروته».

خلفيات سياسية

ولم يصدر تعقيب فوري من محامي إيلون ماسك، الذي سبق أن اتهم الهيئة بأن تحركاتها ضده مدفوعة بدوافع سياسية وتنتهك حقه في حرية التعبير، مستدلاً برفع الدعوى ضده قبل ستة أيام فقط من مغادرة الرئيس الديمقراطي جو بايدن للبيت الأبيض وتولي الجمهوري دونالد ترمب الرئاسة، حيث كان ماسك مستشاراً للأخير.

وتأتي هذه التطورات في وقت حدّت فيه الإدارة الأميركية الجديدة من بعض أنشطة إنفاذ القانون بحق الشركات، مع إعادة ترتيب أولويات الهيئة تحت قيادة رئيسها الجديد بول أتكينز. وشهدت الهيئة مؤخراً اضطرابات في قيادتها، حيث استقالت رئيسة قسم إنفاذ القانون السابقة، مارغريت ريان، بشكل مفاجئ، بعد ستة أشهر فقط من توليها المنصب، إثر خلافات مع قيادة الوكالة حول توجهات برنامج إنفاذ القانون.


قبيل اجتماع يونيو... اتجاه متزايد داخل «المركزي الأوروبي» نحو رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

قبيل اجتماع يونيو... اتجاه متزايد داخل «المركزي الأوروبي» نحو رفع الفائدة

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

تأتي تصريحات صناع السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي قبيل اجتماع 11 يونيو (حزيران)، لتكشف عن تزايد الميل داخل المجلس نحو تشديد السياسة النقدية، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وتداعيات الصدمات الخارجية على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. وبينما تتباين لهجات المسؤولين بين الحذر والدعوة إلى التحرك السريع، تعكس مجمل التصريحات قلقاً متصاعداً من اتساع نطاق التضخم وامتداده إلى مستويات أوسع من الاقتصاد، مما يعزّز احتمالات اتخاذ خطوة رفع الفائدة في الاجتماع المرتقب.

وتشير توقعات الأسواق المالية إلى تسعير شبه كامل لاحتمال رفع سعر الفائدة بحلول يوليو (تموز) على أقصى تقدير، في حين يتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم أن يتم رفع الفائدة في يونيو.

وفيما يلي تصريحات رئيسية لصناع السياسة النقدية في البنك المركزي الأوروبي:

قالت عضوة المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، إيزابيل شنابل، إن التفاؤل لم يعد خياراً مطروحاً في ظل حجم الصدمة الحالية واستمراريتها، مشيرة إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة وسلاسل الإمداد العالمية تستدعي استجابة من السياسة النقدية، وترى أن رفع سعر الفائدة في يونيو سيكون ضرورياً، وفق «رويترز».

ومن جانبه، توقع كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إجراء تعديل تصاعدي إضافي لتوقعات التضخم في يونيو، محذراً من امتداد آثار الصدمة إلى ما هو أبعد من أسعار الطاقة؛ إذ تشير الاستطلاعات إلى اتجاه الشركات لرفع الأسعار، مما قد يحوّل صدمة الطاقة إلى ضغوط تضخمية أوسع نطاقاً.

أما محافظ البنك المركزي الإيطالي، فابيو بانيتا، فأكد أن الصورة المستقبلية تستدعي إعادة تقييم موقف السياسة النقدية في ضوء مخاطر استمرار الضغوط التضخمية، لافتاً إلى أن عودة أسعار النفط والغاز إلى مستوياتها الطبيعية بسرعة تبدو غير مرجحة حتى في حال انتهاء النزاع بسرعة.

وفي السياق ذاته، شدد محافظ البنك المركزي اليوناني، يانيس ستورناراس، على ضرورة أن تكون الاستجابة متوازنة في حال تجاوز التضخم الهدف بشكل مؤقت، بحيث يتم تشديد السياسة النقدية بحذر دون الإضرار بالنشاط الاقتصادي، مع تأكيد أهمية التحرك السريع لتفادي دوامة تضخمية محتملة.

وأشار محافظ البنك المركزي الفنلندي، أولي رين، إلى أن العامل الحاسم يتمثّل في رصد أي آثار ثانوية أو تراجع في توقعات التضخم، موضحاً أن التذبذب في التوقعات قصيرة الأجل لا يزال قائماً، دون وجود انحراف كبير على المديَين المتوسط والطويل.

كما قال محافظ البنك المركزي النمساوي، مارتن كوخر، إنه في حال عدم تحسن الوضع بشكل ملموس، فلا مفر من رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب. في حين رأى محافظ البنك المركزي السلوفاكي، بيتر كازيمير، أن تشديد السياسة النقدية في يونيو يبدو شبه حتمي في ظل التطورات الحالية، رغم عدم الالتزام بمسار محدد مسبقاً.


شركات منطقة اليورو تكافح لرفع الأسعار رغم صدمة الحرب

يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
TT

شركات منطقة اليورو تكافح لرفع الأسعار رغم صدمة الحرب

يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)
يمرّ أشخاص أمام ناطحات السحاب في الحي المالي والتجاري لا ديفانس في بوتو بالقرب من باريس (رويترز)

أظهر تحليل أجرته «رويترز» لتعليقات أرباح الشركات المدرجة في منطقة اليورو أن نحو ثلث الشركات الكبرى فقط أشار إلى عزمه رفع الأسعار استجابة لتداعيات الحرب الإيرانية، في مؤشر على أن ضعف النشاط الاقتصادي لا يزال يقيد قدرتها على تمرير التكاليف إلى المستهلكين.

ويحاول المستثمرون وصناع السياسات في البنك المركزي الأوروبي تقييم ما إذا كانت منطقة اليورو تتجه نحو موجة تضخم جديدة ناجمة عن الحرب، على غرار تلك التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022.

حتى الآن تبدو الإجابة بالنفي.

فقد أظهر تحليل «رويترز»، الذي اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لدراسة 175 مكالمة أرباح لشركات في منطقة اليورو، أن 56 شركة فقط قامت برفع أسعارها، أو تخطط لذلك خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يعكس استمرار ضعف الطلب في اقتصاد منطقة العملة الموحدة المكونة من 21 دولة.

ويمثل ذلك تبايناً واضحاً مع ما حدث عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، عندما رفعت ما يقرب من ثلثي الشركات أسعارها في ظل صدمة قوية بأسواق الطاقة، مدعومة بطلب استهلاكي مرتفع بعد الجائحة، وبرامج دعم حكومية واسعة النطاق، ما دفع التضخم آنذاك إلى مستويات تجاوزت 10 في المائة.

اختلاف جوهري عن عام 2022

وفي تعليقه على نتائج التحليل، قال أولي رين، عضو مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، ومحافظ البنك المركزي الفنلندي، إن هناك «فرقاً واضحاً بين ربيع 2022 وربيع 2026».

وأضاف أن سوق العمل أصبحت أقل سخونة، كما أن وتيرة النمو الاقتصادي أبطأ بشكل ملحوظ، في حين تغيب حالياً الحوافز المالية القوية التي دعمت الاقتصاد قبل أربع سنوات.

وكان التضخم في منطقة اليورو قد بلغ 5.9 في المائة بالفعل عندما بدأت الحرب في أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، بينما لم يتجاوز 1.9 في المائة عند اندلاع الحرب الإيرانية. وتشير التوقعات إلى ارتفاعه إلى 3.2 في المائة في مايو (أيار).

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ويخفف هذا الوضع الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ سلسلة واسعة من زيادات أسعار الفائدة تتجاوز الرفع الأول المتوقع الأسبوع المقبل، والذي يرى اقتصاديون أنه يهدف بالأساس إلى ترسيخ مصداقية البنك، ومنع انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية مكونات التضخم.

من جانبه، قال كبير الاقتصاديين في «أليانز غلوبال إنفستورز»، كريستيان شولز، إن هذه المعطيات تمنح البنك المركزي الأوروبي مساحة أكبر للتحلي بالصبر.

وأضاف: «أي تشديد إضافي للسياسة النقدية سيتطلب أدلة أوضح على انتقال الضغوط التضخمية إلى الأسعار الأساسية، واستمرارها لفترة أطول».

ارتفاعات سعرية محدودة مقارنة بمرحلة ما بعد الغزو الأوكراني

وكلفت «رويترز» أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها «كلود كوارك» بتحليل نصوص 175 مكالمة أرباح جرت بين 2 أبريل (نيسان) و15 مايو، مع التركيز على مدى تأثر الشركات بارتفاع تكاليف الطاقة، وخططها لنقل هذه التكاليف إلى العملاء.

وأظهرت النتائج أن 105 شركات ناقشت تأثير ارتفاع تكاليف الطاقة، فيما ربطت 91 شركة هذه التطورات بالحرب الإيرانية.

وبعد استبعاد المؤسسات المالية، التي تتعامل عادة مع صدمات الطاقة باعتبارها قضية اقتصادية كلية أكثر من كونها قضية تسعير مباشرة، شملت العينة 136 شركة غير مالية، وأفادت 55 منها بأنها رفعت الأسعار، أو تعتزم القيام بذلك خلال الأشهر المقبلة.

وتركزت هذه الزيادات بصورة رئيسة بين الشركات الأكثر تعرضاً لارتفاع أسعار الطاقة، والمواد الخام، أو العاملة في القطاع الصناعي، مثل المجموعة الكيميائية الألمانية «باسف»، وشركة «نيكسانز» الفرنسية المتخصصة في صناعة الكابلات.

في المقابل، بدت الشركات الموجهة للمستهلك النهائي أكثر حذراً في تحميل العملاء التكاليف المرتفعة، إذ تعهدت شركات تجزئة، مثل «دِلهايز» بالحفاظ على أسعار تنافسية، بينما ركزت شركات السيارات، ومن بينها «فولكس فاغن»، على برامج خفض التكاليف بدلاً من رفع الأسعار.

وتختلف هذه الصورة بشكل ملحوظ عن ربيع 2022، إذ أظهر تطبيق المنهجية نفسها على مكالمات الأرباح آنذاك أن 108 شركات من أصل 132 شركة غير مالية قامت بتمرير التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، مستفيدة من الطلب القوي، والدعم المالي الحكومي.

موظفون يجمعون سيارات «فولكس فاغن» الكهربائية في مصنع الشركة بمدينة إمدن شمال ألمانيا (د.ب.أ)

الشركات الصناعية أكثر قدرة على تمرير التكاليف

ويشير التحليل إلى أن الشركات التي تبيع منتجاتها وخدماتها لشركات أخرى تتمتع بقدرة أكبر على رفع الأسعار مقارنة بالشركات التي تعتمد على المستهلك النهائي.

فمن بين 33 شركة صناعية شملتها الدراسة، أكدت 11 شركة أنها تقوم بالفعل بتمرير التكاليف المرتفعة إلى العملاء، بينما تخطط ثلاث شركات أخرى لاتخاذ الخطوة نفسها، في حين تطبق شركتان زيادات جزئية.

أما في قطاع السلع الاستهلاكية، فقد كانت شركة «بيريللي» الإيطالية لصناعة الإطارات الوحيدة بين 26 شركة أكدت اعتماد سياسة تمرير التكاليف بالكامل، بينما تدرس أربع شركات أخرى اتخاذ إجراءات مماثلة.

وقال كارستن جونيوس، كبير الاقتصاديين في بنك جي سافرا ساراسين السويسري، إن هذا التباين يعكس طبيعة النمو الاقتصادي الحالي الذي يعتمد بدرجة أكبر على الاستثمار مقارنة بالاستهلاك الأسري.

وأضاف أن السباق العالمي المتسارع في تطوير وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يجعل بعض الشركات أقل حساسية للأسعار، ما يسهل عليها تمرير ارتفاع تكاليف المدخلات إلى عملائها.

الضغوط التضخمية لم تختفِ بعد

ورغم هذه المؤشرات، يحذر اقتصاديون من التقليل من شأن الضغوط السعرية التي لا تزال تتراكم في بعض القطاعات.

فالشركات العاملة في قطاع النقل، مثل «لوفتهانزا» و«دويتشه بوست»، بدأت بالفعل في فرض رسوم إضافية مرتبطة بأسعار الوقود، وهو ما قد يؤدي تدريجياً إلى رفع تكاليف الأعمال في مختلف القطاعات الاقتصادية.

وقال سبيروس أندريوبولوس، مؤسس شركة «ثين آيس» للاستشارات الاقتصادية الكلية: «من السابق لأوانه الحكم على مدى استدامة هذه الضغوط السعرية، كما أنه من المبكر إعلان انتهاء الأزمة».

وتشير دراسة صادرة عن بنك فنلندا إلى أن انتقال الزيادات السعرية في بعض القطاعات إلى التضخم الاستهلاكي العام قد يستغرق ما بين شهرين و15 شهراً.

الشركات استفادت من دروس أزمة 2022

كما يكشف التحليل أن الشركات الأوروبية أصبحت أكثر استعداداً للتعامل مع صدمات الأسعار مقارنة بما كانت عليه قبل أربع سنوات.

فقد توسع استخدام استراتيجيات التحوط المالي، سواء عبر العقود طويلة الأجل، أو الأدوات المشتقة، ما خفف الحاجة إلى زيادات فورية في الأسعار.

وأفادت إدارات 74 شركة بامتلاكها برامج تحوط ضد تقلبات الأسعار، مقارنة بـ68 شركة فقط في عام 2022.

كما توسع استخدام بنود ربط الأسعار بالتضخم، والتي تسمح بتعديل الأسعار تلقائياً عند ارتفاع تكاليف المدخلات، مثل الوقود، والطاقة.

واستخدم نحو ربع الشركات التي تخطط لرفع الأسعار هذه الآلية، مقارنة بنسبة 22 في المائة خلال أزمة 2022.

ورغم أن العينة التي اعتمدتها «رويترز» تركز على شركات كبرى ذات نشاط عالمي، ومدرجة ضمن مؤشر «يورو ستوكس»، ما قد لا يعكس أوضاع الشركات الصغيرة، والمتوسطة، فإن النتائج تتماشى مع استطلاعات المفوضية الأوروبية التي أظهرت تراجع توقعات الشركات لأسعار البيع خلال مايو بعد ارتفاعها في أبريل، مع بقائها أدنى بكثير من المستويات المسجلة في ربيع 2022.