النقد صامد رغم تريليونات المحافظ الرقمية في زمن الصدمات

أزمات عالمية تثبت أن النقود الورقية تبقى الملاذ الأخير

أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
TT

النقد صامد رغم تريليونات المحافظ الرقمية في زمن الصدمات

أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)
أوراق نقدية من اليورو، والدولار الهونغ كونغي، والدولار الأميركي، والين الياباني، والجنيه الإسترليني واليوان صيني (رويتروز)

في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت المدفوعات الرقمية جزءاً لا يتجزأ من حياة الأفراد والشركات على حد سواء. فالهواتف الذكية، والمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات المصرفية، والعملات المشفرة، لم تعد خيارات مستقبلية؛ بل أصبحت واقعاً يومياً يهيمن على المشهد المالي العالمي.

ومع هذا الانتشار الرقمي الواسع، أثارت دراسة حديثة للبنك المركزي الأوروبي تحت عنوان «حافظ على هدوئك واحتفظ بالنقود» جدلاً واسعاً؛ حيث دعا البنك من خلالها مواطني منطقة اليورو إلى الاحتفاظ ببعض النقود الورقية في منازلهم، معتبراً إياها شبكة أمان أساسية تحميهم في حال تعطل أنظمة الدفع الرقمية.

تكمن قوة هذه الدعوة في التناقض الظاهر فيها: بينما يشجع العالم على التحول الرقمي الكامل وتقليص الاعتماد على النقد الورقي، يصر «المركزي الأوروبي» على ضرورة الاحتفاظ بالنقود الورقية كوسيلة لضمان الاستقرار المالي والمرونة في الأزمات. ويعكس هذا التناقض مفارقة جوهرية: على الرغم من التقدم الهائل في المدفوعات الرقمية وسهولة الوصول إليها، يظل النقد الورقي محافظاً على دوره الأساسي، ليس فقط كأداة دفع؛ بل كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين المالي أو التقني.

فقد أثبتت الأزمات الأخيرة -سواء أكانت صحية أم سياسية أم تقنية- أن النقد الورقي يؤدي دوراً لا تستطيع الوسائل الرقمية منافسته فيه، بدءاً من حماية الأفراد والمؤسسات أمام تعطل الأنظمة الإلكترونية، وصولاً إلى توفير السيولة الفورية عند انقطاع الخدمات الرقمية أو وقوع صدمات اقتصادية مفاجئة.

رجل يستخدم هاتفه للدفع عبر خدمة الهاتف المحمول «أبل باي» في مقهى بموسكو

المدفوعات الرقمية: نمو مستمر

تشير البيانات إلى أن المدفوعات الرقمية شهدت نمواً استثنائياً خلال العقد الماضي؛ إذ ارتفعت قيمة المعاملات عبر المحافظ الرقمية من 1.6 تريليون دولار في 2014 إلى 15.7 تريليون دولار في 2024. ويُعزى هذا النمو إلى الانتشار الواسع للهواتف الذكية، وتحسين البنية التحتية للاتصالات والإنترنت، وتغير تفضيلات المستهلكين بعد جائحة «كوفيد-19».

وتُعد التجارة الإلكترونية من أبرز المحركات لهذا التوسع الرقمي؛ إذ ارتفعت قيمتها من نحو 9.09 تريليون دولار في 2019 إلى توقعات تصل إلى 27.15 تريليون دولار بحلول 2027، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 14.7 في المائة. كما شهدت المدفوعات عبر الهواتف المحمولة نمواً ملحوظاً؛ إذ من المتوقع أن تصل قيمة المعاملات إلى 3.31 تريليون دولار بحلول 2027، ما يعكس تحولاً كبيراً في سلوك المستهلكين نحو الدفع الرقمي السريع والمريح.

النقد صامد رغم المد الرقمي

رغم هذا المد الرقمي، يظل النقد صامداً. فحسب تقرير النقد العالمي 2022، ارتفعت نسبة النقد المتداول إلى الناتج المحلي الإجمالي في معظم الدول بين 2011 و2020، ما يعكس قدرة النقد على التكيف مع التطورات الرقمية، ومكانته المستمرة كوسيلة دفع مفضلة لدى شريحة واسعة من السكان.

ويشير البنك المركزي الأوروبي إلى أن النقد يحتفظ بخصائص فريدة، تزيد من أهميته في الأزمات: ملموس، ومرن، وغير متصل بالإنترنت، ومقبول على نطاق واسع. كما بقيت قيمة أوراق اليورو المتداولة مستقرة عند أكثر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات العشر الأخيرة، مع زيادة مؤقتة خلال جائحة «كوفيد-19»، ثم اعتدال منذ منتصف 2022 بفعل ارتفاع أسعار الفائدة.

الطلب على النقد أثناء الأزمات

تُعد الأزمات الاقتصادية والسياسية والصحية من أبرز العوامل التي تدعم استمرار الطلب على النقد. ففي حين يقل استخدام النقد اليومي مع التوسع الرقمي، يزداد الاعتماد عليه كخيار احتياطي لتلبية الاحتياجات الطارئة. وأظهرت دراسة المركزي الأوروبي 4 أزمات رئيسية:

1- جائحة «كوفيد-19»: مع تفشي الجائحة مطلع 2020، شهد الطلب على الأوراق النقدية قفزة استثنائية؛ حيث ارتفع صافي الإصدار بأكثر من 140 مليار يورو (164.58 مليار دولار) بنهاية العام، أي بزيادة تجاوزت 130 في المائة عن المتوسط السنوي قبل الجائحة. ورغم تراجع استخدام النقد اليومي نتيجة الإغلاقات والمخاوف الصحية، ارتفعت الحيازات النقدية للأفراد داخل المنازل، ما يعكس ما تُسمَّى «مفارقة الأوراق النقدية»: زيادة الحيازات رغم انخفاض الاستخدام في المعاملات.

2- الحرب الروسية على أوكرانيا: في فبراير (شباط) 2022، أدى الغزو الروسي إلى ارتفاع حاد في الطلب على النقد؛ خصوصاً في الدول المجاورة، نتيجة مخاوف عدم اليقين الجيوسياسي، واحتمال تعرض البنية التحتية لهجمات إلكترونية. وبلغت الزيادات في صافي الإصدار اليومي نحو 36 في المائة في الشهر الأول من الصراع، في دول مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، بينما ظلت الدول الأبعد عن النزاع قريبة من مستوياتها التاريخية.

3- انقطاع التيار الكهربائي في شبه الجزيرة الأيبيرية: أثبت النقد دوره الحيوي خلال انقطاع واسع للتيار الكهربائي في أبريل (نيسان) 2025؛ إذ تعطلت أنظمة الدفع الرقمية، بما في ذلك نقاط البيع وأجهزة الصراف الآلي والمحافظ الإلكترونية. وأدى الانقطاع إلى تراجع الإنفاق بالبطاقات بنسبة 41– 42 في المائة، والانخفاض في التجارة الإلكترونية بنحو 54 في المائة، بينما أصبح النقد الوسيلة الوحيدة المتاحة للأشخاص الذين امتلكوه، مما يعكس أهميته كخيار احتياطي خلال الأعطال.

4- أزمة الديون السيادية في اليونان: خلال أزمة الديون اليونانية 2014– 2015، ارتفع صافي إصدار الأوراق النقدية من بنك اليونان بشكل ملحوظ، متجاوزاً التقديرات الافتراضية مرات عدة، نتيجة حالة عدم اليقين السياسية والمالية. ووصل متوسط الإصدار اليومي خلال فترة الأزمة إلى 72 مليون يورو (84.64 مليون دولار) أعلى من المتوقع، متراكماً إلى نحو 11.2 مليار يورو (13.17 مليار دولار) بعد 6 أشهر، ما يعكس اعتماد المواطنين على النقد كوسيلة أمان ومرونة في مواجهة الأزمة.

رجل يستخدم النقود لدفع ثمن مشترياته خلال تسوقه في ميلانو (رويترز)

تحديات التحول الكامل للشركات

رغم الانتشار المتزايد للمدفوعات الرقمية، لا تزال الشركات -خصوصاً الصغيرة والمتوسطة- مترددة في التخلي عن النقد. يعود ذلك أساساً إلى تكاليف التنفيذ المرتفعة، ورسوم المعاملات على البطاقات والمحافظ الرقمية، بالإضافة إلى المخاطر التقنية مثل الأعطال والانقطاعات.

كما تلعب تفضيلات العملاء دوراً مهماً؛ إذ يفضل كبار السن وذوو الدخل المحدود النقد لاعتبارات الخصوصية والتحكم في الميزانية، كما تعتبر بعض الثقافات الدفع النقدي أكثر ملاءمة في مناسبات معينة، مما يؤكد أن الاختيار الفردي لا يزال عنصراً محورياً في تحديد وسائل الدفع. كذلك يفرض الإطار التشريعي أحياناً قبول النقد لضمان شمول جميع المستهلكين، ما يجعل التحول الكامل إلى مجتمع بلا نقد عملية معقدة.

هل بات الاقتصاد العالمي بلا نقود؟

الإجابة -حسب المعطيات- واضحة: لا، ليس بعد.

يتوقع الخبراء استمرار تراجع استخدام النقد، ولكنه سيظل جزءاً أساسياً من النظام المالي لعقود قادمة. فالمستقبل ليس خياراً ثنائياً بين النقد والمدفوعات الرقمية؛ بل هو نظام متنوع الوسائل يوازن بين الابتكار والأمان.

ولا تُعد دعوة البنك المركزي الأوروبي تراجعاً عن الرقمنة؛ بل هي تأكيد على المرونة والأمن القومي المالي. ففي مجتمع بلا نقود، تصبح القدرة على الصمود أمام الأزمات محدودة؛ لأنه إذا أصبح كل شيء رقمياً، واختُرق النظام المصرفي أو التحويل الإلكتروني، فإنه يمكن تدمير الاقتصاد دون إطلاق رصاصة واحدة، وفق خبراء، مثل جاي زاغورسكي، من جامعة بوسطن، الذي يؤكد أن النقود الورقية ستظل جزءاً أساسياً من المستقبل، وأن الأمن القومي في بعض الحالات يعتمد عليها.

وفي هذا الإطار، أشارت دراسة للبنك المركزي الأوروبي في 2024، إلى أهمية النقد بالنسبة للجمهور؛ إذ يرى 62 في المائة من المستهلكين، أنه من الضروري أن يظل النقد خياراً متاحاً للدفع، مقابل 60 في المائة في 2022، وأبدت غالبية كبيرة (87 في المائة) رضاها عن سهولة الوصول إلى النقود، رغم انخفاضه قليلاً مقارنة بـ89 في المائة في 2022.

الحاجة إلى نهج متوازن

يتطلب مستقبل المعاملات المالية منظوراً متوازناً، يتجاوز التفكير في خيار ثنائي بين النقد والمدفوعات الرقمية. ويجب أن يضمن هذا النهج توفير خيارات دفع متعددة تناسب جميع الفئات، وإتاحة الوصول لأنظمة الدفع للجميع، بما في ذلك الفئات محدودة الوصول للتكنولوجيا، وحماية بيانات المستخدمين، وضمان عدم المراقبة المالية غير المبررة، وتحسين أمان الدفع الرقمي مع الحفاظ على خيار النقد، وتشجيع الابتكار التكنولوجي مع ضمان موثوقية الأنظمة الجديدة، وقدرة النظام على الصمود أمام الأعطال والهجمات الإلكترونية والانقطاعات.

تعكس مفارقة المدفوعات الرقمية (التعايش بين التقدم التكنولوجي السريع واستمرار استخدام النقد) الطبيعة المعقدة لعلاقة المجتمع بالمال واحتياجات السكان المختلفة. ويعتمد تحقيق نظام مالي مستدام على تعاون البنوك المركزية والمؤسسات المالية والشركات والمستهلكين، لضمان فعالية وأمان وشمولية أنظمة الدفع.

أحد الزبائن يدفع باستخدام بطاقة ائتمان داخل متجر في باريس (رويترز)

ضمان مواجهة الأزمات

يوفر النقد أماناً فردياً وعملياً؛ حيث يمنح المستخدمين شعوراً باليقين والتحكم، ويعمل كوسيلة دفع غير متصلة بالإنترنت عند فشل أنظمة الدفع الرقمية أو انقطاع الكهرباء. كما يلعب النقد دوراً حيوياً في مرونة النظام المالي؛ إذ يعمل كإطار احتياطي أساسي، وتساهم الحيازات النقدية الفردية في توزيع السيولة عند تعطل الأنظمة المركزية، ما يجعلها أشبه بـ«التأمين المجتمعي منخفض التكلفة».

ويمتاز النقد أيضاً بالقيمة الاسمية الثابتة، وسهولة الوصول، والخصوصية، مما يفسر استمرار الطلب عليه بقوة في أوقات التوتر، بغض النظر عن العوامل الاقتصادية التقليدية. وقد أدركت البنوك المركزية في دول مثل هولندا والنمسا وفنلندا هذه الأهمية، فبدأت توصي الأسر بالاحتفاظ بمخزون نقدي يكفي لعدة أيام من المشتريات الأساسية، كما أجرت تجارب على أجهزة صرَّاف آلي مقاومة للانقطاعات لضمان الوصول للنقد في أوقات الأزمات.

وعليه، يعزز هذا النهج دور النقد كالتزام مباشر من البنك المركزي ومتاح للجميع، ليس فقط في المعاملات اليومية؛ بل كركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي وثقة الجمهور. فهل يمكن أن يضمن المستقبل المالي التوازن بين الابتكار الرقمي والشمولية الاقتصادية، ويظل النظام قوياً وموثوقاً أمام الأزمات، إذا اختفى النقد الذي يمثل شبكة الأمان الأساسية للفرد والمؤسسات على حد سواء؟


مقالات ذات صلة

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

الاقتصاد صورة أرشيفية للملياردير الأميركي إيلون ماسك وخلفه نماذج لمركبات شركة «سبايس إكس» (د.ب.أ)

اكتتاب «سبايس إكس»... ثراء تاريخي لماسك وتحوُّل في صراع التكنولوجيا بين واشنطن وبكين

لا يبدو طرح «سبايس إكس» أسهمها للاكتتاب العام حدثاً مالياً عادياً، حتى بمقاييس «وول ستريت» التي اعتادت المبالغات في تسعير شركات التكنولوجيا.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تقرأ صحيفة أمام متجرها في مدينة هونغ كونغ (أ.ف.ب)

قروض الصين الجديدة تُخيّب التوقعات في مايو

ارتفعت قروض البنوك الصينية الجديدة في مايو (أيار) بأقل من المتوقع بعد انكماشها في الشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ بنك فرنسا إيمانويل مولان يلوح بيده خلال منتدى باريس للتمويل يوم 9 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

محافظ بنك فرنسا: أزمة الطاقة ستترك آثاراً طويلة الأمد

قال محافظ بنك فرنسا، إيمانويل مولان، إن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط بدأت بالفعل تدفع مستويات الأسعار إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد مارة يمرون بجوار عرض لصور لاعبي كرة قدم دوليين خارج متجر لشركة «نايكي» يوم 10 يونيو 2026 في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كأس العالم 2026... فرصة استثمارية تعزز أسهم شركات عالمية

تتوقع الأسواق استفادة شركات الرياضة والسياحة والدفع والإعلام من التوسع غير المسبوق لكأس العالم 2026 وزيادة الإنفاق والمشاهدات العالمية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رجل وامرأة يحتفلان بزواجهما أمام مقر بنك اليابان في وسط العاصمة طوكيو (رويترز)

الشركات اليابانية الصغيرة تعاني ضغوط حرب إيران

أشار استطلاع ياباني إلى أن ارتفاع تكاليف المشتريات يُعدّ أكبر ضغوط حرب الشرق الأوسط على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
TT

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

حققت الصناديق الخليجية بصمةً فارقةً في الطرح التاريخي لشركة «سبيس إكس» التي وضعتها في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين بأسهمها، في الوقت الذي تلقت فيه صناديق التحوط العالمية تخفيضات حادة في طلباتها بسبب التدافع القياسي الذي تجاوز 250 مليار دولار.

ووفق نشرة الاكتتاب العامة للشركة، التي مثلت أكبر عملية جمع أموال في تاريخ أسواق المال، فإن صناديق الثروة السيادية والمستثمرين في دول «مجلس التعاون الخليجي» لم يكونوا مجرد مشاركين عابري القارات، بل شكلوا العمود الفقري والمحرك الأساسي لأضخم عملية جمع أموال في تاريخ الأسواق المالية.

جاء التوزيع الخليجي الرسمي في صدارة قائمة كبار المكتتبين، إذ حصل كل من «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، و«جهاز قطر للاستثمار»، و«الهيئة العامة للاستثمار الكويتية»، على حصص تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار لكل منها كتخصيص نهائي. وبدأ تداول أسهم شركة «سبيس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك يوم الجمعة، بقيمة سوقية بلغت 1.78 تريليون دولار.


هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
TT

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، في حين قال رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إن الأزمات التي تمر بها البلاد «مفتعلة».

وأدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة» في السودان، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» تحركات شبه يومية في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، نظراً لتكالب التجار والمستوردين على الدولار من السوق السوداء، وسط نقص كبير في السوق الرسمية.

وقال البرهان في زيارة إلى منطقة العيلفون التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن وسط العاصمة الخرطوم، إن هناك مؤامرات تحاك ضد الوطن، محذراً من أن الدولة لن تتسامح مع أي شخص يهدد حياة المواطنين.

وأشار في خطابه إلى أن الأزمات في الكهرباء والوقود تتم بفعل فاعل.

وتعاني مناطق واسعة في البلاد من نقص حاد في التيار الكهربائي والوقود، إضافة إلى غلاء في أسعار المواد الغذائية، وسط تحذيرات من ارتفاع معدلات التضخم تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر في البلاد.

ويشكو مواطنو الخرطوم من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتدافع أصحاب السيارات الخاصة ومركبات النقل داخل محطات تعبئة الوقود جراء نقص الكميات المستوردة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان (إكس)

يأتي حديث البرهان بعد ساعات قليلة من إعلان مجلس الوزراء السوداني، بقيادة كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية (الغازولين والبنزين) لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف.

وفي هذا الصدد قال وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، إن جهات الاختصاص ممثلة في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، عليها إنفاذ القرار.

وأضاف أن مجلس الوزراء أصدر توجيهات للأجهزة الأمنية لاتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني.

تزايد الصعوبات المعيشية

أدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة»، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ويدفع النقص الكبير في الاحتياطي النقدي للعملات في البنك المركزي التجار والمستوردين إلى الشراء من «السوق السوداء»، في وقت تتحرك فيه مؤشرات سعر الصرف الرسمي وفي السوق السوداء يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً.

وقال متعاملون في العملة لــ«الشرق الأوسط»: «مؤشرات سعر الصرف تتحرك يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً... بلغ سعر الدولار الواحد 4700 جنيه، بينما أعلى سعر لامسه 4800 جنيه».

وقال تاجر في السوق الموازية (السوداء): «الأسعار غير ثابتة وتتحرك على مدار اليوم»، مضيفاً: «نفذنا عمليات بيع مقابل 4840 جنيهاً للدولار»، مشيراً إلى أن بعض التحويلات الخارجية وصلت إلى قرابة 6000 جنيه للدولار الواحد.

وعزا انخفاض العملة الوطنية إلى قلة العرض وزيادة الطلب الكبير على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تعرّض الاقتصاد السوداني لصدمات موجعة جراء تدمير البنية التحتية للصناعة وشلل كبير في حركة التجارة.

وحذر خبراء اقتصاديون في وقت سابق من أن هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني، وحالة من الركود والانكماش وتضخم حاد ستنعكس آثاره مباشرة على رفع تكلفة المعيشة بزيادة أسعار السلع.

وأدخلت الحرب نصف سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليوناً إلى دائرة الاحتياجات للمساعدات الإنسانية.

ويعاني السودان من ضغوط اقتصادية كبيرة، بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية بالنفط ومصادر الطاقة التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من الكهرباء والوقود.


الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير (كانون الثاني)، صُهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة البيع.

فقد ظهرت ساعة من طراز «كونستليشن» من «أوميغا» في الحملات الإعلانية والأفلام وفي حفل «ميت غالا» الشهير، حيث ارتداها نجوم مثل جورج كلوني ونيكول كيدمان، مما جعلها رمزاً للرفاهية والأناقة.

ووفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع أكثر من 10 تجار وخبراء في القطاع ومستشارين استثماريين، فإن الأنواع المستعملة من علامات تجارية مثل «أوميغا» و«تاج هوير»، التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، هي الأكثر تضرراً من هذا التوجه.

وصهر التاجر البريطاني جون وايت من شركة «غولد تريدرز» ساعة «كونستليشن» من عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي وكانت بحالة ممتازة في مايو (أيار)، لتكون واحدة من عشرات الساعات الفاخرة الشائعة التي صهرها هذا العام مع ارتفاع الطلب على الذهب بصفته أداة استثمارية.

وقال وايت، الذي يدير أيضاً دار مزادات، لـ«رويترز»: «ساعة جميلة. لكن في الواقع، ماذا كان سيحقق العميل لو عرضها في مزاد؟».

آدم هول كبير مسؤولي الصهر يضع الذهب القديم بما في ذلك الساعات الفاخرة في فرن لصهرها بشركة «هاتون غاردن ميتالز» في لندن (رويترز)

وأضاف أن قيمة الذهب الموجودة في ساعة «كونستليشن» تلك -وهي واحدة من عدة طرز تنتجها شركة «أوميغا» التابعة لمجموعة «سواتش»- بلغت نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً (7749 دولاراً)، أي أعلى بنسبة 35 في المائة من قيمتها التقديرية في المزاد التي تتراوح بين 4 آلاف و4500 جنيه إسترليني.

وقال مؤسس وحدة الساعات المستعملة «أنالوغ شيفت» التابعة لشركة «ووتشز أوف سويتزرلاند»، جيمس لامدين، إن عمليات الصهر «تتركز بشكل رئيسي على الساعات الحديثة المستعملة، وكذلك في الساعات الكلاسيكية الأقدم التي لا تُعدّ ضمن القطع القابلة للاقتناء».

الذهب السائل

ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 5600 دولار للأوقية (الأونصة) في يناير، إذ دفعت المخاوف الجيوسياسية والتجارية المتعاملين نحو المعادن الثمينة التي تُعدّ ملاذاً آمناً. ويحوم سعر الذهب حالياً حول 4200 دولار للأوقية، أي ما يقارب ضعف متوسط سعره في عام 2024.

ومع ذلك، لم يتحرك سعر السوق للساعات المستعملة بالطريقة نفسها. ولا توجد أرقام رسمية توضح عدد الساعات الفاخرة التي يجري صهرها. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن إجمالي إعادة تدوير الذهب في الربع الأول ارتفع 5 في المائة إلى 366 طناً، في حين ارتفع الطلب على الحلي الذهبية 31 في المائة من حيث القيمة ليصل إلى 47 مليار دولار.

ومع توقع وصول سعر الذهب إلى ما بين 5400 و6300 دولار للأوقية هذا العام، ستستمر الضغوط لتفكيك بعض الساعات، خصوصاً أن المتعاملين الذين يعيدون بيعها يجب أن يغطوا التكاليف ونفقات تقديم الضمان.

ويمكن أيضاً صهر الساعات الجديدة التي أُنتجت بكميات زائدة.

ساعات فاخرة قديمة قبل وضعها في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها (رويترز)

وقال لامدين: «رأيت الكثير من الساعات العادية تماماً يتم صهرها... هناك الكثير من المخزون الزائد غير المبيع في السوق السويسرية. وهذه الساعات هي في الأساس جديدة تماماً، لم يستعملها أحد، ويتم تفكيكها فقط... لقد صنعوا منها أكثر من اللازم».

وتابع: «لكن عندما يكون لديك شيء عتيق ونادر ويحمل قصة أو طابعاً خاصاً بفعل الزمن، فإن التخلص منه يصبح أمراً مؤسفاً ناتجاً عن قصر النظر».

«نبيع أم ننتظر؟»

دفعت أسعار الذهب المرتفعة المهندس المتقاعد من نيويورك ميتشل تاليسمان إلى بيع ساعتين ذهبيتين وسلسلة تحتوي على 35 غراماً من الذهب بنسبة نقاء 58 في المائة مقابل 2660 دولاراً نقداً في ديسمبر (كانون الأول). وقال لـ«رويترز»: «كان لديّ الكثير من الأشياء في خزينة بنكية لأكثر من 10 سنوات».

لكن بالنسبة إلى بعض المالكين، فإن فكرة بيع ساعة فقط ليقوم تاجر بصهرها لا تحتمل. وقال أدريان هيلوود المتخصص في تاريخ صناعة الساعات: «قد تكون قطعة عائلية.. قد تكون ساعتهم الأولى». وأضاف «لا تروق لهم فكرة إتلافها، لذا يحتفظون بها».