ترمب يعد بالازدهار... والاقتصاد يواجه «صدمة» الأرقام

تعهداته بتحسين سوق العمل تصطدم بتراجع التوظيف وارتفاع التضخم

ترمب مغادراً مكتبه البيضاوي لاستقبال أعضاء حكومته وأعضاء الكونغرس في حفل عشاء أقيم بحديقة الورود (إ.ب.أ)
ترمب مغادراً مكتبه البيضاوي لاستقبال أعضاء حكومته وأعضاء الكونغرس في حفل عشاء أقيم بحديقة الورود (إ.ب.أ)
TT

ترمب يعد بالازدهار... والاقتصاد يواجه «صدمة» الأرقام

ترمب مغادراً مكتبه البيضاوي لاستقبال أعضاء حكومته وأعضاء الكونغرس في حفل عشاء أقيم بحديقة الورود (إ.ب.أ)
ترمب مغادراً مكتبه البيضاوي لاستقبال أعضاء حكومته وأعضاء الكونغرس في حفل عشاء أقيم بحديقة الورود (إ.ب.أ)

تحوّلت سوق العمل الأميركية من حالة إيجابية إلى ركود خلال الأشهر السبعة الأولى من رئاسة دونالد ترمب، حيث تراجع التوظيف وبدأ التضخم في الارتفاع مجدداً مع تداعيات سياساته التجارية.

فقد أظهر تقرير الوظائف الصادر يوم الجمعة، أن عدد الوظائف الجديدة في أغسطس (آب)، بلغ 22 ألف وظيفة فقط، بينما ارتفع معدل البطالة إلى 4.3 في المائة. وشهدت المصانع وشركات المقاولات انخفاضاً في عدد العاملين.

وأظهرت البيانات المعدلة خسارة الاقتصاد 13 ألف وظيفة في يونيو (حزيران)، وهي أول خسارة شهرية منذ ديسمبر (كانون الأول) 2020، خلال جائحة «كوفيد 19».

لوحة إعلانية تحمل عبارة «نستقبل طلبات التوظيف الآن» معروضة في واجهة أحد المتاجر بمانهاتن (رويترز)

وكشفت هذه البيانات عن الفجوة المتنامية بين الاقتصاد المزدهر الذي وعد به ترمب، والواقع الذي لم يتحقق حتى الآن، بحسب «أسوشييتد برس».

ويتباهى البيت الأبيض بسرعة إنجازاته، لكنه يطلب الآن من الأميركيين الصبر، حيث قال ترمب إن تحسن أرقام الوظائف قد يستغرق عاماً. وقال ترمب يوم الجمعة: «سنحقق نجاحاً غير مسبوق». وأضاف: «انتظروا حتى تبدأ المصانع الجديدة في العمل، سترون أموراً غير متوقعة».

ولم يُؤثر هذا النداء للصبر على الرأي العام، إذ تحولت القضايا الاقتصادية التي كانت نقطة قوة لترمب إلى نقطة ضعف مستمرة. وبلغت نسبة الموافقة على قيادة ترمب الاقتصادية 56 في المائة في بداية عام 2020، لكنها انخفضت إلى 38 في المائة في يوليو (تموز) الماضي، وفقاً لاستطلاع للرأي أجراه مركز أبحاث الشؤون العامة التابع لـ«أسوشييتد برس».

عمال البناء يعملون على إنجاز بناء مبنى جديد في سان فرانسيسكو (أ.ف.ب)

ترمب يلوم الآخرين

دفع هذا الوضع ترمب إلى إلقاء اللوم على الآخرين، بينما يقول الديمقراطيون إن المشكلة تكمن في سياساته. وأكد ترمب يوم الجمعة أن الاقتصاد كان سيضيف وظائف لو خفّض رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، أسعار الفائدة، رغم أن خفضها إلى المستوى الذي يريده ترمب قد يزيد التضخم.

ويتوقع المستثمرون خفضاً في أسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» باجتماعه المقبل في 16 و17 سبتمبر (أيلول) الحالي، جزئياً بسبب ضعف أرقام الوظائف.

وقال زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، إن سياسات ترمب التجارية تضر بالاقتصاد، وهذا ما أثبته تقرير الوظائف. وأضاف: «هذا تحذير صارخ لجميع أنحاء البلاد بأن دونالد ترمب يُلحق الضرر بالاقتصاد الأميركي».

ترمب يلقي كلمة خلال حفل عشاء نظم في حديقة الورود بالبيت الأبيض (رويترز)

مأزق اقتصادي

لقد أوقع ترمب نفسه في مأزق اقتصادي، إذ لم يصل أداء الاقتصاد إلى مستوى التوقعات التي وعد بها.

- في عام 2024، صرّح ترمب بأن إبعاد المهاجرين غير الشرعيين سيحمي «وظائف السود». لكن معدل البطالة بين السود ارتفع إلى 7.5 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وذلك بعد حملة قمع قوية على الهجرة نفذتها إدارة ترمب.

- في بيان بشأن الرسوم الجمركية في أبريل (نيسان)، قال ترمب: «ستعود الوظائف والشركات إلى بلادنا بقوة، وستشهدون ذلك قريباً». منذ أبريل، خفضت شركات التصنيع 42 ألف وظيفة، وقلّصت شركات البناء 8 آلاف وظيفة.

- قال ترمب في كلمته الافتراضية إن «الذهب الأسود» (النفط) سيجعل البلاد غنية، بعد تركيزه على استخدام الوقود الأحفوري. لكن قطاعي استخراج النفط والغاز الطبيعي فقدا 12 ألف وظيفة منذ يناير (كانون الثاني). ورغم انخفاض أسعار البنزين، قدرت إدارة معلومات الطاقة في أغسطس، أن إنتاج النفط الخام، المصدر الذي وعد ترمب بالاستفادة منه، سينخفض ​​العام المقبل بمعدل 100 ألف برميل يومياً.

- في حملته الانتخابية لعام 2024، وعد ترمب «بإنهاء» التضخم «في اليوم الأول»، وخفض أسعار الكهرباء إلى النصف خلال 12 شهراً. وارتفعت أسعار المستهلك من 2.3 في المائة في أبريل إلى 2.7 في المائة في يوليو. وارتفعت تكلفة الكهرباء بنسبة 4.6 في المائة حتى الآن هذا العام.

يقوم عناصر فريق مكافحة القناصة بالمراقبة قبل وصول ترمب لتناول العشاء في حديقة الورود بالبيت الأبيض (أ.ب)

البيت الأبيض: النمو الكبير قريب

ويصر البيت الأبيض على أن الاقتصاد على وشك تحقيق نمو كبير، وأن الرسوم الجمركية الجديدة ستدر مئات المليارات من الدولارات سنوياً إذا تمكنت من تجاوز التحديات القانونية.

وفي حفل عشاء مع مديري ومؤسسي شركات مثل «أبل» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«أوبن إيه آي» و«ميتا»، قال ترمب إن مراكز تطوير الذكاء الاصطناعي ستوفر «أعداداً قياسية من الوظائف» خلال عام.

لكن مدير الدراسات الاقتصادية في معهد «إنتربرايز» الأميركي، مايكل سترين، أشار إلى أن وعد ترمب بالنمو الوظيفي القوي يتعارض مع ادعاءاته غير الموثوقة بأن بيانات الوظائف الأخيرة مُزوّرة. لقد أدى هذا الاتهام إلى قيامه بإقالة رئيس مكتب إحصاءات العمل الشهر الماضي، وذلك بعد التعديلات السلبية الكبيرة في تقرير بيانات الوظائف لشهر يوليو.

وقال ستراين إن من المنطقي أن تتحدث الإدارة عن تحسن الأوضاع في المستقبل، لكن هذا الكلام يبدو كأنه يُضعف مزاعم ترمب حول تلاعب البيانات. وأضاف: «أكد الرئيس بشكل واضح أن البيانات غير موثوقة، وأن ضعفها ناتج عن تلاعب ممنهج ضد ترمب، وإذا كان هذا صحيحاً، فما الذي يدفعنا إلى التحلي بالصبر؟».

الرئيس الأميركي يجلس مع الحضور حول المائدة خلال حفل عشاء أُقيم في فناء حديقة الورود بالبيت الأبيض (رويترز)

«بيانات استثنائية»

أصر البيت الأبيض على أن بيانات الوظائف الصادرة يوم الجمعة، كانت استثناءً في اقتصادٍ كان بأوضاعه جيدة عموماً. وقال مدير المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الأبيض، كيفن هاست، إن «الاحتياطي الفيدرالي» في أتلانتا يتوقع نمواً سنوياً بنسبة 3 في المائة بهذا الربع، وهو ما يتوافق مع زيادة عدد الوظائف بنحو 100 ألف وظيفة شهرياً. وأضاف أن التضخم منخفض، والنمو في الدخل ثابت، والاستثمارات الجديدة في الأصول مثل المباني والمعدات، ستسهم في النهاية في زيادة فرص التوظيف.

لكن نائب مدير المجلس الاقتصادي الوطني في عهد بايدن، دانيال هورنغ، قال إنه لم يجد دليلاً على انتعاش مقبل في بيانات الوظائف لشهر أغسطس. وأوضح هورنغ أن «هناك ضعفاً واضحاً في الاقتصاد، وينبغي التركيز على تراجع قطاعات إنتاج السلع مثل البناء والصناعة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، فكانت هناك صعوبات سابقة، ومن المرجح أن تزيد الرسوم الجمركية من هذه الصعوبات».

وقال المحلل الاقتصادي في مؤسسة «هيرايتيدج» المحافظة والمؤيد للرئيس ترمب، ستيفن مور، إن سوق العمل «في حالة ضعف»، مع تأييده لادعاءات ترمب بأن بيانات الوظائف غير موثوقة. وأضاف أن الاقتصاد يتكيف مع سياسات ترمب بزيادة الرسوم الجمركية وتقليص الهجرة، مما قد يقلل من عدد العمال المتاحين. وأوضح مور أن «المشكلة المقبلة هي نقص العمال، وليس نقص الوظائف، وهذا في بعض النواحي مشكلة إيجابية». أما فرنك لونتس، المستشار السياسي وعالم الرأي العام، فقال إن بيانات الوظائف لن تؤثر على مصير ترمب سياسياً، لأن الناخبين يهتمون أكثر بالتضخم وسعر المعيشة.

ومن وجهة نظر الانتخابات، قال لونتس إن لدى ترمب عاماً لإثبات تحسن الوضع الاقتصادي، فالناخبون سيحددون آراءهم حول الاقتصاد بحلول عيد العمال قبل الانتخابات النصفية العام المقبل. باختصار، لا يزال لدى ترمب الوقت. وأضاف: «الموقف لا يزال غير واضح، والنتيجة النهائية ستظهر في عيد العمال 2026».


مقالات ذات صلة

ترمب يهنئ منتخب أميركا بالفوز العريض على باراغواي في المونديال

رياضة عالمية ترمب يهنئ منتخب أميركا بالفوز العريض على باراغواي في المونديال

ترمب يهنئ منتخب أميركا بالفوز العريض على باراغواي في المونديال

هنأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب منتخب بلاده بعد الفوز العريض على باراغواي بنتيجة 4 / 1 في افتتاح مشوار الفريقين ببطولة كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

ترمب سيحضر الأربعاء عشاء في قصر فرساي

يستضيف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره الأميركي دونالد ترمب على مأدبة عشاء في قصر فرساي، الأربعاء

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري بوادر التسوية بين واشنطن وطهران لا تضمن اختراقاً لمسار «اتفاق غزة»

في الوقت الذي تتوالى فيه التصريحات بشأن التوصُّل إلى تسوية مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، يستمر الجمود في ملف اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
تحليل إخباري ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

تحليل إخباري 4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ جيمس تالاريكو خلال لقاء انتخابي في سان أنتونيو (أ.ف.ب)

الديمقراطي جيمس تالاريكو يفرض نفسه منافساً جدياً في تكساس «قلعة الجمهوريين»

يخوض المرشحان الديمقراطي والجمهوري سباقاً حقيقياً للفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس.

«الشرق الأوسط» (سان أنتونيو)

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
TT

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

حققت الصناديق الخليجية بصمةً فارقةً في الطرح التاريخي لشركة «سبيس إكس» التي وضعتها في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين بأسهمها، في الوقت الذي تلقت فيه صناديق التحوط العالمية تخفيضات حادة في طلباتها بسبب التدافع القياسي الذي تجاوز 250 مليار دولار.

ووفق نشرة الاكتتاب العامة للشركة، التي مثلت أكبر عملية جمع أموال في تاريخ أسواق المال، فإن صناديق الثروة السيادية والمستثمرين في دول «مجلس التعاون الخليجي» لم يكونوا مجرد مشاركين عابري القارات، بل شكلوا العمود الفقري والمحرك الأساسي لأضخم عملية جمع أموال في تاريخ الأسواق المالية.

جاء التوزيع الخليجي الرسمي في صدارة قائمة كبار المكتتبين، إذ حصل كل من «صندوق الاستثمارات العامة» السعودي، و«جهاز قطر للاستثمار»، و«الهيئة العامة للاستثمار الكويتية»، على حصص تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار لكل منها كتخصيص نهائي. وبدأ تداول أسهم شركة «سبيس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك يوم الجمعة، بقيمة سوقية بلغت 1.78 تريليون دولار.


هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
TT

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)
هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، في حين قال رئيس «مجلس السيادة» الانتقالي، القائد العام للجيش، عبد الفتاح البرهان، إن الأزمات التي تمر بها البلاد «مفتعلة».

وأدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة» في السودان، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ورصدت «الشرق الأوسط» تحركات شبه يومية في قيمة العملة المحلية أمام الدولار، نظراً لتكالب التجار والمستوردين على الدولار من السوق السوداء، وسط نقص كبير في السوق الرسمية.

وقال البرهان في زيارة إلى منطقة العيلفون التي تبعد نحو 30 كيلومتراً عن وسط العاصمة الخرطوم، إن هناك مؤامرات تحاك ضد الوطن، محذراً من أن الدولة لن تتسامح مع أي شخص يهدد حياة المواطنين.

وأشار في خطابه إلى أن الأزمات في الكهرباء والوقود تتم بفعل فاعل.

وتعاني مناطق واسعة في البلاد من نقص حاد في التيار الكهربائي والوقود، إضافة إلى غلاء في أسعار المواد الغذائية، وسط تحذيرات من ارتفاع معدلات التضخم تجاوزت مستويات قياسية نتيجة لظروف الصراع المستمر في البلاد.

ويشكو مواطنو الخرطوم من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وتدافع أصحاب السيارات الخاصة ومركبات النقل داخل محطات تعبئة الوقود جراء نقص الكميات المستوردة.

رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان (إكس)

يأتي حديث البرهان بعد ساعات قليلة من إعلان مجلس الوزراء السوداني، بقيادة كامل إدريس، دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية (الغازولين والبنزين) لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف.

وفي هذا الصدد قال وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، إن جهات الاختصاص ممثلة في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، عليها إنفاذ القرار.

وأضاف أن مجلس الوزراء أصدر توجيهات للأجهزة الأمنية لاتخاذ ما يلزم لحماية الاقتصاد الوطني.

تزايد الصعوبات المعيشية

أدى التسارع الكبير في تدني قيمة العملة الوطنية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية بصورة «غير مسبوقة»، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية، في مقابل الانخفاض الكبير في دخول المواطنين.

ويدفع النقص الكبير في الاحتياطي النقدي للعملات في البنك المركزي التجار والمستوردين إلى الشراء من «السوق السوداء»، في وقت تتحرك فيه مؤشرات سعر الصرف الرسمي وفي السوق السوداء يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً.

وقال متعاملون في العملة لــ«الشرق الأوسط»: «مؤشرات سعر الصرف تتحرك يومياً لتسجل انخفاضاً جديداً... بلغ سعر الدولار الواحد 4700 جنيه، بينما أعلى سعر لامسه 4800 جنيه».

وقال تاجر في السوق الموازية (السوداء): «الأسعار غير ثابتة وتتحرك على مدار اليوم»، مضيفاً: «نفذنا عمليات بيع مقابل 4840 جنيهاً للدولار»، مشيراً إلى أن بعض التحويلات الخارجية وصلت إلى قرابة 6000 جنيه للدولار الواحد.

وعزا انخفاض العملة الوطنية إلى قلة العرض وزيادة الطلب الكبير على شراء الدولار لتسيير حركة الاستيراد من الخارج.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» تعرّض الاقتصاد السوداني لصدمات موجعة جراء تدمير البنية التحتية للصناعة وشلل كبير في حركة التجارة.

وحذر خبراء اقتصاديون في وقت سابق من أن هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع قيمة الجنيه السوداني، وحالة من الركود والانكماش وتضخم حاد ستنعكس آثاره مباشرة على رفع تكلفة المعيشة بزيادة أسعار السلع.

وأدخلت الحرب نصف سكان البلاد البالغ عددهم 40 مليوناً إلى دائرة الاحتياجات للمساعدات الإنسانية.

ويعاني السودان من ضغوط اقتصادية كبيرة، بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» منذ أبريل (نيسان) 2023، التي ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية بالنفط ومصادر الطاقة التي كانت قبل الحرب تغطي نحو 70 في المائة من الاستهلاك المحلي من الكهرباء والوقود.


الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)
ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير (كانون الثاني)، صُهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة البيع.

فقد ظهرت ساعة من طراز «كونستليشن» من «أوميغا» في الحملات الإعلانية والأفلام وفي حفل «ميت غالا» الشهير، حيث ارتداها نجوم مثل جورج كلوني ونيكول كيدمان، مما جعلها رمزاً للرفاهية والأناقة.

ووفقاً لمقابلات أجرتها «رويترز» مع أكثر من 10 تجار وخبراء في القطاع ومستشارين استثماريين، فإن الأنواع المستعملة من علامات تجارية مثل «أوميغا» و«تاج هوير»، التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، هي الأكثر تضرراً من هذا التوجه.

وصهر التاجر البريطاني جون وايت من شركة «غولد تريدرز» ساعة «كونستليشن» من عيار 18 قيراطاً تعود إلى أواخر سبعينات القرن الماضي وكانت بحالة ممتازة في مايو (أيار)، لتكون واحدة من عشرات الساعات الفاخرة الشائعة التي صهرها هذا العام مع ارتفاع الطلب على الذهب بصفته أداة استثمارية.

وقال وايت، الذي يدير أيضاً دار مزادات، لـ«رويترز»: «ساعة جميلة. لكن في الواقع، ماذا كان سيحقق العميل لو عرضها في مزاد؟».

آدم هول كبير مسؤولي الصهر يضع الذهب القديم بما في ذلك الساعات الفاخرة في فرن لصهرها بشركة «هاتون غاردن ميتالز» في لندن (رويترز)

وأضاف أن قيمة الذهب الموجودة في ساعة «كونستليشن» تلك -وهي واحدة من عدة طرز تنتجها شركة «أوميغا» التابعة لمجموعة «سواتش»- بلغت نحو 5750 جنيهاً إسترلينياً (7749 دولاراً)، أي أعلى بنسبة 35 في المائة من قيمتها التقديرية في المزاد التي تتراوح بين 4 آلاف و4500 جنيه إسترليني.

وقال مؤسس وحدة الساعات المستعملة «أنالوغ شيفت» التابعة لشركة «ووتشز أوف سويتزرلاند»، جيمس لامدين، إن عمليات الصهر «تتركز بشكل رئيسي على الساعات الحديثة المستعملة، وكذلك في الساعات الكلاسيكية الأقدم التي لا تُعدّ ضمن القطع القابلة للاقتناء».

الذهب السائل

ارتفعت أسعار الذهب إلى مستوى قياسي بلغ 5600 دولار للأوقية (الأونصة) في يناير، إذ دفعت المخاوف الجيوسياسية والتجارية المتعاملين نحو المعادن الثمينة التي تُعدّ ملاذاً آمناً. ويحوم سعر الذهب حالياً حول 4200 دولار للأوقية، أي ما يقارب ضعف متوسط سعره في عام 2024.

ومع ذلك، لم يتحرك سعر السوق للساعات المستعملة بالطريقة نفسها. ولا توجد أرقام رسمية توضح عدد الساعات الفاخرة التي يجري صهرها. وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن إجمالي إعادة تدوير الذهب في الربع الأول ارتفع 5 في المائة إلى 366 طناً، في حين ارتفع الطلب على الحلي الذهبية 31 في المائة من حيث القيمة ليصل إلى 47 مليار دولار.

ومع توقع وصول سعر الذهب إلى ما بين 5400 و6300 دولار للأوقية هذا العام، ستستمر الضغوط لتفكيك بعض الساعات، خصوصاً أن المتعاملين الذين يعيدون بيعها يجب أن يغطوا التكاليف ونفقات تقديم الضمان.

ويمكن أيضاً صهر الساعات الجديدة التي أُنتجت بكميات زائدة.

ساعات فاخرة قديمة قبل وضعها في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها (رويترز)

وقال لامدين: «رأيت الكثير من الساعات العادية تماماً يتم صهرها... هناك الكثير من المخزون الزائد غير المبيع في السوق السويسرية. وهذه الساعات هي في الأساس جديدة تماماً، لم يستعملها أحد، ويتم تفكيكها فقط... لقد صنعوا منها أكثر من اللازم».

وتابع: «لكن عندما يكون لديك شيء عتيق ونادر ويحمل قصة أو طابعاً خاصاً بفعل الزمن، فإن التخلص منه يصبح أمراً مؤسفاً ناتجاً عن قصر النظر».

«نبيع أم ننتظر؟»

دفعت أسعار الذهب المرتفعة المهندس المتقاعد من نيويورك ميتشل تاليسمان إلى بيع ساعتين ذهبيتين وسلسلة تحتوي على 35 غراماً من الذهب بنسبة نقاء 58 في المائة مقابل 2660 دولاراً نقداً في ديسمبر (كانون الأول). وقال لـ«رويترز»: «كان لديّ الكثير من الأشياء في خزينة بنكية لأكثر من 10 سنوات».

لكن بالنسبة إلى بعض المالكين، فإن فكرة بيع ساعة فقط ليقوم تاجر بصهرها لا تحتمل. وقال أدريان هيلوود المتخصص في تاريخ صناعة الساعات: «قد تكون قطعة عائلية.. قد تكون ساعتهم الأولى». وأضاف «لا تروق لهم فكرة إتلافها، لذا يحتفظون بها».